يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾، أي: السورة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾، أي: يتذكر [١] بها أولو الألباب، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: ممن شاء الله هدايته، كما قيده في السورة الأخرى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾، أي: تارة هكذا وتارة هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم، ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل؛ لأنه يشق عليكم؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾، أي: تارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من هذا، أو هذا من هذا، ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾، أي: الفرض الذي أوجبه عليكم ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، أي: من غير تحديد بوقت، أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة سبحان: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، أي: بقراءتك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.
وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ بهذه الآية - وهي قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ - على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن، ولو بآية، أجزأه، واعتضدوا بحديث المسيء [][٢] صلاته الذي في الصحيحين (٢٣): " ثم قرأ ما في تيسر معك من القرآن".
وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت، وهو في الصحيحين أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة [لمن لم][٣] يقرأ بفاتحة الكتاب"(٢٤)، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:"كل صلاة لا يقرأُ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، غير تمام"(٢٥). [يقرأ بأم القرآن][٤] وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن"(٢٦).
(٢٣) صحيح البخاري في كتاب: الأذان، كتاب: أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة، حديث (٧٩٣) (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧). ومسلم في كتاب: الأذان، باب: وجوب قراء الفاتحة في كل ركعة، حديث (٤٥/ ٣٩٧). (٢٤) صحيح البخاري في كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات الخمس كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت، حديث (٧٥٦) (٢/ ٢٣٧). ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة … ، حديث (٣٩٤) (٤/ ١٣٢ - ١٣٣). (٢٥) صحيح مسلم في كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. حديث (٣٨/ ٣٩٥) (٤/ ١٣٤). (٢٦) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٢٤٨) (٤٩٠).