يقول تعالى منكرًا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وجعلهم لها أنها بنات الله كما قال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾. ولهذا قال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: ليس لهم علم صحيح يُصَدِّق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيئًا﴾، أي: لا يجدي شيئًا، ولا يقوم أبدًا مقام الحق. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال:"إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث"(٥٧).
وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾، أي: أعرض عن الذي أعرض [١] عن الحق واهجره.
وقوله: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، أي: وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذلك [٢] هو غاية ما لا خير فيه. ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، أي: طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه. وقد روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له"(٥٨). وفي الدعاء المأثور:"اللَّهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا"(٥٩).
(٥٧) - أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ حديث (٦٠٦٦). ومسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها، حديث (٢٨/ ٢٥٦٣) (١٦/ ١٧٩). كلاهما من حديث أبي هريرة. (٥٨) - أخرجه أحمد (٦/ ٧١). وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٢٩١) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير دويد وهو ثقة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٩٣٣)، ونقل عن ابن قدامة في المنتخب أنه قال: هذا حديث منكر. ونقل العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١٨٥٨) قول المنذري بأن إسناده جيد. (٥٩) - أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: الدعاء حين يقوم من مجلسه، حديث (٣٤٩٧) (٩/ ١٦٩ - ١٧٠). وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٧٨٨ - ٣٧٥٨).