﴿مَا هَذَا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أي: مفتعل مصنوع. أرادوا معارضته بالحيلة [١] والجاه فما صعد معهم ذلك وقوله: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، يعنون عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون [٢]: ما رأينا أحدًا من آبائنا علي هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى. فقال موسى ﵇ مجيبًا لهم: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، يعني: مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّار﴾، أي: النصرة والظفر والتأييد ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: المشركون بالله.
يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعوى الإلهية لنفسه القبيحة -لعنه الله- كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، [وذلك][٣] لأنه دعاهم إلي الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلي ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم، ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، [وقال][٤]، تعالى إخبارًا عنه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ
يَخْشَى﴾. يعني: أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مُصَرِّحًا لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين؛ ولهذا انتقم الله تعالى منه [٥] فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك قال [٦]: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.