ليرى الناس صنيعهم ويتأطوه، فإذا فُرِغَ من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطب له والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس، وكذا كان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرد صنعة [١] وخيال؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.
قال سفيان بن عيينة (١٤٣): حدَّثنا أَبو سعد [٢]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: ألقوا حبالًا غلاظًا وخشبًا طوالًا. قال: فأقبلت يخيل [٣] إليه من سحرهم أنَّها تسعى.
وقال محمد بن إسحاق: صف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر، حباله وعصيه، وخرج موسى ﵇، معه أخوه [٤] يتكئ على عصاه، حتَّى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته، ثم قالت [٥] السحرة: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي، فإذا حيات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضًا.
وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين [٦] ألف رجل، ليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ يقول: فرقوهم، أي: من الفرق.
وقال ابن جرير (١٤٤): حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدَّثنا القاسم بن أبي بزَّة، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتَّى جعل يخيل إليه من سحرهم أنَّها تسعى.
(١٤٣) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٤٩٣٩) وأَبو سعد هو البَقَّال، سعيد بن المرزبان، "ضعيف مُدلِّس". (١٤٤) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٤٩٤١) وإسناده صحيح إلى القاسم بن أبي بزَّة.