يخبر تعالى بما يخاطب به [١] أهل الجنة أهل النار وذلك [٢] على وجه التقريع والتوبيخ إذا استقروا في منازلهم ﴿أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا﴾ ﴿أن﴾ هاهنا مفسرة للقول المحذوف، و ﴿قد﴾ للتحقيق، أي: قالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعدكم [٣] ربكم حقا؟ قالوا: نعم. كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا، ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال، وكذلك [٤] تقرعهم [٥] الملائكة يقولون لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وكذلك قرع رسول الله، ﵌، قتلى القليب يوم بدر، فنادى:"يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة - وسمى رءوسهم -: هل وجدتم ما ومحمد ربكم حقًّا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًّا". وقال عزَّ: يا رسول الله، تخاطب قومًا قد جيفوا! فقال:"والذي نفسي يده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا"(٨٢).
وقوله تعالى: ﴿فأذن مؤذن بينهم﴾ أي: أعلم معلم، ونادى مناد: ﴿أن لعنة الله على الظالمين﴾ أي: مستقرة عليهم.
ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يصدّون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه، وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السبيل [٦] معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد، ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ أي: وهم بلقاء الله في الدار
(٨٢) - أخرجه أحمد في "المسند" (٣/ ١٠٤، ١٨٢، ومواضع أخر) ومسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه (٧٧) (٢٨٧٤) من حديث أنس بن مالك وبنحوه أخرجه أحمد (٤/ ٢٩) والبخاري، كتاب: المغازي (حديث رقم ٣٩٧٦) وكذا مسلم (٧٨) (٢٨٧٥) من حديث أبي طلحة.