للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد ثبت في الصحيحين (١٤٤): عن أبي هريرة، عن رسول الله أنه قال: "كل مولود، يولد على الفطرة"، وفي صحيح مسلم (١٤٥): عن عياض بن حمار: أن رسول الله قال: "قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء"، وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ومعناه على أحد القولين كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ كما سيأتي بيانه.

فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل - الذي جعله الله أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكن [١] من المشركين - ناظرًا في هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة [٢] بعد رسول الله بلا شك ولا ريب، ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرًا - قوله تعالى:

﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)


(١٤٤) - أخرجه البخاري كتاب: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبح فمات هل يُصلَّى عليه .. (١٣٥٨)، ومسلم، كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة … (٢٢) (٢٦٥٨)، وأبو داود، كتاب: السنة، باب: في ذراري المشركين (٤٧١٤)، والترمذي، كتاب: القدر، باب: ما جاء كل مولود يولد على الفطرة (٢١٣٨)، والنسائي (٤/ ٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٤٤ - وفي غير موضع) من حديث أبي هريرة بروايات مطولة ومختصرة.
(١٤٥) - صحيح مسلم كتاب: صفة الجنة ونعيمها وأهلها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٦٣) (٢٨٦٥) ضمن حديث طويل، وأخرجه أيضًا النسائي في "الكبرى" (٥/ ٨٠٧٠، ٨٠٧١)، وابن ماجه (٤١٧٩) مختصرًا، وأحمد (١٧٥٣١) (٤/ ١٦٢).