هذا إنكار من الله -عز رجل- على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد [أن يتحاكم][١] في فصل الخصومات [٢] إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله؛ فإنها ذامّه لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما [٣] سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾.
[وقوله: ﴿و][٤] يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا [٥] عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [وهؤلاء][٦] بخلاف المؤمنين الذين قال اللَّه فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
ثم قال تعالى في ذم المنافقين: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي:
[١]- ما بين المعكوفتين في ز: "التحاكم". [٢]- في ز: "الحكومات". [٣]- سقط من: ز. [٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [٥]- في ز: "ألفينا". [٦]- ما بين المعكوفتين تكررت في ز.