واعلم من بعد أن الصفات لا تتساوى أحوالها فى قيامها مقام موصوفاتها، بل بعضها فى ذلك أحسن من بعض، فمتى دلت الصفة على موصوفها حسنت إقامتها مقامه، ومتى لم تدل على موصوفها قبحت إقامتها مقامه. فمن ذلك قولك: مررت بظريف، فهذا أحسن من قولك: مررت بطويل؛ وذلك أن الظريف لا يكون إلا إنسانا مذكرا ورجلا أيضا، وذلك أن الظّرف إنما هو حسن العبارة، وأنه أمر يخص اللسان؛ فظريف إذا مما يختص الرجال دون الصبيان؛ لأن الصبى فى غالب الأمر لا تصح له صفة الظرف، وليس كذلك قولنا: مررت بطويل؛ لأن الطويل قد يجوز أن يكون رجلا، وأن يكون رمحا، وأن يكون حبلا وجذعا، ونحو ذلك. فهذا هو الذى يقبح، والأول هو الذى يحسن، فإن قام دليل من وجه آخر على إرادة الموصوف ساغ وضع صفته موضعه، فاعرف ذلك واعتبره بما ذكرنا.
وإنما قبح حذف الموصوف من موضعين:
أحدهما: أن الصفة إنما لحقت الموصوف إما للتخصيص والبيان، وإما للإسهاب والإطناب، وكل واحد من هذين لا يليق به الحذف، بل هو من أماكن الإطالة والهضب.
واعلم أن الصفة كما تفيد فى الموصوف فكذلك قد يفيد الموصوف فى صفته، ألا تراك إذا قلت: مررت بغلام طويل فقد علم أن طويلا هنا إنسان؟ ولو لم يتقدم ذكر الغلام لم يعلم أنه لإنسان أو غيره: من الرمح، أو الجذع، ونحوهما. وكذلك قد علم بقولك: طويل أن الرجل طويل وليس بربعة ولا قصير، وهذا أحد ما خلط الموصوف بصفته حتى صارت معه كالجزء منه، وذلك لتساويهما فى إفادة كل واحد منهما فى صاحبه ما لولا مكانه لم يفد فيه.