وكان زعيم القدرية في أيام المأمون والمعتصم والواثق، وزاد على أسلافه بأنّ المعارف ضرورية. وكان يقول: إنَّ من لم يعرف الله ضرورة ليس عليه أمر ولا نهي، وإنَّ الله خلقه للسخر والاعتبار لا للتكليف كما خلق البهائم. وكان يقول: إنَّ الأفعال المتولدة لا فاعل لها.
الفرقة الرابعة عشرة: الجاحظية (١):
أتباع عمرو بن بحر الجاحظ. وكان من قوله: إنَّ المعارف كلها طباع، وإن كل من عرف شيئًا فإنما يعرفه بطبعه.
= المأمون إلى الاعتزال. زعم أن من لم يضطره الله تعالى إلى معرفته لم يكن مأمورًا بالمعرفة، ولا منهيًا عن الكفر. وزعم لأجل ذلك أن عوام الدهرية والنصارى والزنادقة يصيرون في الآخرة ترابًا، وكذلك الطفل الذي مات في طفوليته، ولم يعرف الله مضطرًا، وليس عليه تكليف يستحق العقاب، فإنه يصير في الآخرة ترابًا. وكان يقول: إن الأفعال المتولدة أفعال لا فاعل لها. وإن دار الإسلام دار شرك. وكان يحرم السبي، لأن المسبي عنده ما عصى ربّه إذا لم يعرفه. وإنّما العاصي عنده من عرف ربه بالضرورة، ثم جحده أو عصاه. وذكر مسلم بن قتيبة في كتاب «مختلف الحديث»: إن ثمامة بن أشرس رأى الناس يوم جمعة يتعادون إلى المسجد الجامع لخوفهم فوت الصّلاة، فقال لرفيق له: انظر إلى هؤلاء الحمير والبقر، ثم قال: ماذا صنع ذاك العربي بالنّاس؟ [يعني: رسول الله - صلى الله عليه وآله]. وذكر ابن المرتضى في كتاب المنية والأمل: أنّ اسمه: أبو عبد الله أحمد بن أبي داود، ثمامة بن أشرس المكنى: أبا معن النميري، وذكره في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة قائلًا: كان واحد دهره في العلم والأدب. وكان ثمامة من تلاميذ أبي الهذيل العلاف. يقول الشهرستاني عنه: كان جامعًا بين سخافة الدين، وخلاعة النفس؛ مع اعتقاده بأنّ الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة. وكان يقول: الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح، وتخليتها من الآفات قبل الفعل. والمعرفة متولّدة من النظر، وهو فعل لا فاعل له كسائر المتولدات. وكذلك كان يقول: إنّ المعارف كلها ضرورية، وإن من لم يضطر إلى معرفة الله ﷾، فليس هو مأمورًا بها، وإنّما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوانات. وكان يقول أيضًا: لا فعل للإنسان إلا الإرادة، وما عداها فهو حدث لا محدث له. وحكى ابن الراوندي عنه أنه قال: العالم فعل الله تعالى بطباعه، ولعله أراد بذلك ما تريده الفلاسفة. المصادر: الفرق بين الفرق ١٠٣، المنية والأمل ١٥٩، الملل والنحل ١/ ٦٨، «موسوعة الفرق الإسلامية ١٨٤ - ١٨٥». (١) الجاحظية: أتباع أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وهو من كبار المعتزلة، مات في سنة ٢٥٠ هـ، وهو ابن تسعين سنة، وقال البعض: إنه مات في سنة ٢٥٥ هـ. يعده ابن المرتضى في كتاب «المنية والأمل» من الطبقة السابعة للمعتزلة، كناني، ومن تلاميذ النظام. ويقول: كان متبحرًا في جميع علوم زمانه، ومعروفًا بالفصاحة والبلاغة. =