ومن ذلك تراكيب الأفلاك ودورانها على اختلاف مراكزها ودورانها من غرب إلى شرق، ودوران الفلك التاسع بخلاف ذلك من شرق إلى غرب، وإدارته لجميع الأفلاك مع نفسه فحدث من ذلك حركتان متعارضتان في حركة فبالضرورة يعلم أنَّ لها محركًا على هذه الوجوه المختلفة.
ومن ذلك تراكيب أعضاء الحيوان وتراكيب عروقه وعصبه لا شك فيه أن له صانعًا.
ومن ذلك ما يظهر في الأصباغ الموضوعة على جلود كثير من الحيوان أو ريشه ووبره وشعره، وكونه على رتبة واحدة لا تختلف كأذناب الطواويس وغيرها، وما يرى في ليف النخل من النسج المصنوع، وليس هذا البتة من فعل طبيعة فصح أنه فعل خالق أول واحد.
***
الفصل الثالث في الكلام على من قال: إنَّ العالم لم يزل وله مع ذلك فاعل لم يزل (١)
قال أبو محمد: اعتمد أهل هذه المقالة على أن قالوا: إن فعل الباري إنما هو جوده وحكمته وقدرته، وهو لم يزل جوادًا حكيمًا قادرًا، فالعالم لم يزل إذ علته لم تزل. فهذا فاسد بالدلالة التي قدمنا في حدوث العالم.
ثم نقول: إنما يلزم هذا من أقرَّ بهذه؛ من أنَّ العالم علة، وأما نحن فنقول: إنَّه لا علة لتكوين الله ﷿.
ثم نقول: إنَّ المفعول هو المنتقل من العدم إلى الوجود، وهذا هو المحدث، وهم يقولون: إنه لم يزل، وهذا خلاف المعقول؛ لأنَّ الذي لم يكن ثم كان هو غير الذي لم يزل، فإن كان قال قائل: لما كان الباري ﷻ غير فاعل على قولكم ثم صار فاعلًا فقد لحقته استحالة وتعالى الله عن ذلك. قلنا هذا السؤال راجع عليكم؛ لأنه إن كان عندكم أنه فعل بعد أن كان غير فاعل يوجب الاستحالة عليه، فإن فعله لما أحدث من الإعراض عندكم بعد أن كان غير محدث، وإعدام ما عدم منها بعد الوجود موجب عليه الاستحالة.