للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويكفي من الردّ عليهم أن يقال لهم: قولكم لا حقيقة للأشياء حق هو أم باطل؟ فإن قالوا: حق، أثبتوا حقيقة ما، وإن قالوا: ليس بحقّ أقرُّوا ببطلان قولهم، ويقال للشكاك: أشككم موجود صحيح منكم أم غير صحيح ولا موجود؟ فإن قالوا: هو موجود صحيح أثبتوا أيضًا حقيقة، وإن قالوا: هو غير موجود ولا صحيح نفوا الشك وأبطلوه.

ويقال لمن قال: هي حق عند من هي عنده حق وباطل عند من هي عنده باطل، إنّ الشيء لا يكون حقًا باعتقاد من اعتقد أنه حق كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقد أنه باطل، وإنما يكون الشيء حقًا بكونه موجودًا ثابتًا، ولو كان غير هذا لكان الشيء موجودًا معدومًا في حالة واحدة، وهذا عين المحال.

ومن جملة تلك الأشياء التي تُعتقد أنها حق من يعتقد أن الأشياء حق بطلان قول من قال: إنَّ إدراك الحقائق باطل، وهم قد أقرُّوا إنها حق عند من هي عنده حق، وبطلان قولهم من جملة تلك الأشياء؛ فقد أقروا أن بطلان قولهم حق وهذه الأقوال يعتقدها ذو عقل ولا يشك ذو تمييز أنَّ العلم بهذه الأشياء صحيح يشك فيه من دخلت عقله آفة.

* * *

الفصل الثاني في الكلام على من قال: إنَّ العالم لم يزل وإنه لا مدبر له (١)!

قال أبو محمد، لا يخلو العالم من أحد وجهين؛ إما أن يكون لم يزل، أو أن يكون محدثًا لم يكن ثم كان. فذهبت طائفة إلى أنه لم يزل وهم الدهرية، وذهبت سائر الناس إلى أنه محدث.

فمما اعترض به الدهرية أن قالوا: تر شيئًا حدث الأمر شيء أو في شيء؛ فمن ادعى غير ذلك فقد ادعى ما لا يشاهد وقالوا: إن كان العالم محدثًا، فلا يخلو أن يكون أحدثه لذاته أو أحدثه لعلة، فإن كان الأول، فالعالم لم يزل؛ لأن محدثه لم يزل، وإن كان الثاني، فتلك العلة لا تخلو من أحد وجهين؛ إما أن تكون لم تزل، وإما أن


(١) الفصل ١/ ١٩ - ٣٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>