جنس هذا الخلاء الذي تدعون إنَّه يجذب الأجسام بطبعه أو من غير جنسه، فإن قالوا: من جنسه، فقد أقرُّوا انَّ طبع هذا الخلاء الغالب لجميع الطبائع هو أن يجذب المتمكنات إلى نفسه فيمتليء بها حتى إنه يحيل قوى العناصر عن طبائعه فوجب أن يكون الخلاء الخارج عن الفلك كذلك ضرورة أيضًا؛ لأنَّ هذه صفة طبعه، وإذا كان هذا هكذا فذلك الخلاء عندهم لا نهاية له، فالجسم المالئ له أيضًا لا نهاية له. وقد تقدم أنه لا يجوز جسم لا نهاية له فالخلاء باطل.
* * *
الفصل الخامس في الكلام على من قال: إنَّ فاعل العالم ومدبّره أكثر من واحد (١)
قال أبو محمد: افترق القائلون بذلك فرقًا، ثم ترجع هذه الفرق إلى فرقتين أحداهما تذهب إلى أنَّ العالم غير مدبر به، وهم القائلون بتدبير الكواكب السبعة وأزليتها، وهم المجوس، وهم يعظمون الأنوار والنيران وقد يضاف إليهم الصابئون الذين يقولون بقدم الأصلين نحو قول المجوس إلا أنَّهم يقولون بتعظيم الكواكب السبعة والبروج الإثنى عشر، ويصوّرونها في هياكلهم، ويقرّبون لها الذبائح وهو كان أصل الأوثان في العرب حتى آل الأمر إلى عبادتهم إياها.
ويدخل في هذه الفرقة من وجه وتخرج من وجه النصارى لقولهم بالتثليث، وان خالق الخلق ثلاثة، وأما الذين يخرجون منه فقولهم: إنَّ الثلاثة واحد.
وأما الفرقة الثانية، فإنها تذهب إلى أنَّ العالم هم مدبّروه لا غيرهم البتة، وهم الديصانية، والمزقونية، والمنانية، والقائلون بأزلية الطبائع الأربع، وإنها بسائط غير ممتزجة، ثم حدث الامتزاج فحدث العالم بامتزاجها.
فأما المنانية، فإنَّهم يقولون بقدم الأصلين النور والظلمة، وإنَّ النور والظلمة حيان، وإنَّهما غير متناهيين إلا من جهة الملاقاة، وقال: ما في الظلمة حياة، وقال ديصان: هي موات، وقالت المرقونية أيضًا كذلك، إلا أنهم قالوا: نور وظلمة لم يزالا وثالث أيضًا بينهما لم يزل.