ومساكنهم وسط المعمور، ويقال لها: أرض فارس، ومنها كرمان والأهواز وأقاليم يطول ذكرها. وجميع مادون جيحون من تلك الجهات يقال له: إيران؛ وهي أرض الفرس.
وأما ما وراء جيحون فيقال له: توران؛ وهي أرض الترك.
وقد اختلف في نسب الفرس، فقيل: إنهم من ولد فارس بن ارم بن سام، وقيل: من ولد يافث، والفرس يقولون: إنّهم من ولد كيومرث، وكيومرث عندهم هو الذي ابتدأ منه النسل مثل آدم عندنا، ويذكرون أن الملك لم يزل فيهم من كيومرث - وهو آدم - إلى الإسلام، خلا مقطع حصل من مدد يسيرة لا يعتدون به مثل يغلب الضحاك، وفراسات التركي.
وملوك الفرس عند الأمم أعظم ملوك العالم. وكان لهم العقول الوافرة. وكان لهم من ترتيب المملكة ما لم يلحقهم فيه أحد من الملوك. وكانوا لا يولون ساقط البيت شيئًا من أمور الخاصة.
/ ٣٥/ والفرس فرق كثيرة فمنهم الديلم؛ وهم سكان الجبال، ومنهم الجيل وهم يسكنون الوطأة التي بجبال الديلم وارضهم وساحل طبرستان. ومنهم الكرد ومنازلهم شهرزور، وقيل: إنّ الكرد من العرب وتنبطوا، وقيل: إنهم أعراب العجم.
وكان للفرس ملة قديمة، ويقال للدائنين بها الكيومرثية، أثبتوا إلها قديمًا وسموه يزدان، وإلهًا مخلوقًا من الظلمة محدثًا وسموه أهرمن. وزدان عندهم هو الله - تعالى - وأهرمن هو إبليس؛ وظل دينهم مبنيًا على تعظيم النور وهو يزدان، والتحرز من الظلمة وهو أهرمن.
ومما عظموا النور عبدوا النيران، وكان الفرس على ذلك حتى ظهر زرادشت وكان على أيام بستاسف ملك الفرس - المقدم الذكر في الفصل الثاني - وأظهر زرادشت المعجزات لبستاسف تقبل دينه ودخل فيه، ثم صارت الفرس على دينه. وذكر لهم زرادشت كتابًا زعم أنَّ الله - تعالى - أنزله عليه.
وزرادشت من أهل قرية من قرى أذربيجان، ولهم في خلق زرادشت وولادته كلام طويل أضربنا عنه لعدم فائدته.
وقال زرادشت بالناري فإنه خالق النور والظلمة ومبدعهما؛ وهو واحد لا شريك له، وإنَّ الخير والشر والصلاح والفساد إنّما حصل من امتزاج النور بالظلمة، ولو لم يمتزجا، لما كان وجود للعالم، ولا يزال المزاج حتى يغلب النور الظلمة، ثم يتخلص الخير إلى عالمه، والشر إلى عالمه، وقبلة زرادشت إلى المشرق حيث مطلع الأنوار.