للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن قالوا: بطل ما كان فيه في موضع الفلك أو قالوا: انتقل فقد أوجبوا له النهاية ضرورة؛ إما من طريق الوجود بالبطلان، وإما من طريق المساحة بالنقلة.

ويُسألون عن هذا الخلاء الذي هو عندهم مكان لا متمكن فيه هل له مبدأ متصل بصفحات الفلك الأعلى أم لا؟

فإن قالوا: لا مبدأ له وهو قولهم، قيل لهم: إنَّ قول القائل مكان إنما يفهم منه ما يتمثل في النفس من المقصود بهذه اللفظة وموضعها في اللغة ليكون عبارة للتفاهم عن المراد بها أنها ساحة ولا بد للساحة من الذرع، ولا بد للذرع من مبدأ.

فإن لم يكن له أول، لم يكن عدد، وإذا لم يكن عدد لم يكن ذرع، وإذ لم يكن ذرع لم يكن مساحة.

وإن قالوا له مبدأ من هنالك، وجبت له النهاية له ضرورة.

ويُسألون أيضًا، أمماس هذا الفلك أم غير مماس، وبائن عنه أم غير بائن.

فإن قالوا: لا مماس ولا مباين، فهذا أمرٌ لا يُعقل إلا في الأعراض، وهم لا يقولون: إنَّ الخلاء عرض، وإن أثبتوا المماسة وجب إثبات النهاية.

قال أبو محمد (١): ومما يبطل هذا الخلاء أنا نرى الأرض والماء والأجسام الترابية من الصخور ونحو ذلك طباعها السفل أبدًا وطلب المركز، ولا يفارق هذا الطبع فتصعد إلا بقهر يغلبها، ونجد النار والهواء طبعهما الصعود والبعد عن المركز، ولا يفارق هذا الطبع إلا قسرًا فإذا زالت تلك الحركة القسرية، رجعا إلى طبعهما، ونجد الآن المسمى «سارقة الماء» يبقى الماء فيها صعدًا ولأسفل، ونجد الزراقة ترفع التراب والزئبق والماء، ونجد إذا حفرنا بئرًا امتلأ هواء، وسفل الهواء حينئذ، ونجد المحجة تمتص الجسم الأرضي إلى نفسها فليس هذا إلا لأحد وجهين أم عُدَّ الخلاء جملة كما يقول.

وأما أن طبع الخلاء يجتذب هذه الأجسام إلى نفسه كما يقول من يثبت الخلاء، وهذه دعوى بلا دليل، وهو عائد عليهم؛ لأنه إذا اجتذب الأجسام ولا بد فقد صار ملاء، والملاء موجود حاضر، والخلاء لا برهان عليه. وقولهم يعلم بالمشاهدة وذلك أننا لم نجد مكانًا يبقى خاليًا فقط دون متمكن فصح بالضرورة.

ثم نقول (٢): إن كان خارج الفلك خلاء على قولكم، فلا يخلو من أن يكون من


(١) الفصل ١/ ٤٧ - ٤٨.
(٢) الفصل ١/ ٤٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>