للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهذه الفرق مطبقة على أنَّ الفاعل أكثر من واحد، وعمدة ما عوّلوا عليه استدلالان أحدهما استدلال المنانية والديصانية والمجوس والصابئة، ومن ذهب مذهبهم، قالوا: وجدنا الحكيم لا يفعل الشر ولا يخلق خلقًا ثم يسلط عليه غيره. وهذا عبث في المعهود.

ووجدنا العالم ينقسم إلى قسمين كُلّ قسم ضد الآخر كالخير والشر والحياة والموت والصدق والكذب وغير ذلك، فعلمنا أنّ الحكيم لا يفعل إلا الخير وما يليق به فعله، وأنَّ الشرور لها فاعل يليق بها.

والثاني عوّل عليه من قال بتدبير الكواكب، ومن قال بالبطائع. قالوا: لا يفعل الفاعل أفعالا مختلفة إلا بأحد وجوه أربعة؛ إما أن يكون ذا قوى مختلفة، وإما بآلات مختلفة، وإما باستحالة، وإما بفعل في أشياء مختلفة؛ فلما بطلت هذه، علمنا بذلك أنَّ الفاعلين كثير، وأن كل واحد يفعل ما يشاكله.

والجواب عن الأول: هل يخلو علمكم بأنَّ هذا شر وعبث من أحد وجهين إما أن تكونون علمتموه بسمع وردّ لكم وخبر، وأما بضرورة العقل؛ فإن كان من الأول، قيل: هل معنى السمع الآتي غير أن مبتدع الخلق سمى هذا الشيء شرًا، وهذا خيرًا، فلا بد من نَعَمْ! إذْ هذا معنى لازم عند كل من قال بالسمع فحينذ إنما صار الشر لنهي الواحد الأول عنه، وكذلك الخير لأمره به فإذا كان هذا، فقد ثبت أن من لا مبدع له، ولا أمر فوقه لا يكون شيء من فعله شرًا إذ السبب في كونه شرًا هو الإخبار ولا مخبر يلزم طاعته إلا الله تعالى. فإن قيل: كيف يفعل هو شيئًا قد أخبر أنه شر؟ قيل: هو - تعالى - ليس يفعل في الجسم فيما يشاهد غير الحركة والسكون، والحركة جنس واحد، والسكون جنس واحد، وإنما أمر ببعضها ونهى عن بعضها ولم يفعل هو - تعالى - الحركة على أنه متحرك بها ولا السكون على أنه ساكن به وإنما فعلها على سبيل الإبداع، وكذلك اعتقادات النفس ما نهيت عنه، وهذا كله غير موصوف به الباري، وإن قالوا: علمنا ذلك ببديهة العقل، قيل: العقل قوة من قوى النفس، وداخلًا تحت الكيفية على الحقيقة أو تحت الجواهر، وإنما يؤثر فيما هو من شكله في باب الكيفيات فيميّز بين خطئها وصوابها، وأما فيما هو فوقه وفيما لم يزل والعقل معدوم، وفي مخترع العقل فلا تأثير فيه له، ويقال لهم: إنَّ التزمتم أن يكون فاعل الشر عابثا وقررتم بذلك منع كون فاعل العالم واحدًا، فقد علمنا فيما بيننا أن تارك الشيء لا يغيّره عابث ظالم ولا يخلو فاعل الخير عندكم من أن يكون قادرًا على تغيير الشر أولا فإن قلتم إنه قادر على تغييره ولم يغيره، فقد صار عندكم عابثًا، وإن قلتم: إنه غير قادر، فهو بلا

<<  <  ج: ص:  >  >>