قال أبو محمد (١): والمنائية تزعم أنَّ النور كان في العلو إلى ما لا نهاية له، وأنَّ الظلمة في السفل إلى ما لانهاية له، وأنهما متناهيان من جهة الملاقاة وأنَّ اللذة للنور خاصة، وأن الأذى للظلم خاصة.
قال أبو محمد (٢): بطلان القول في عدم التناهي فقد أبطلناه، وأما قولهم بالعلو والسفل، ففاسد؛ لأنَّ السفل لا يكون سفلًا إلا بالإضافة، وكذلك العلو فكل علو سفل لما فوقه حتى ينتهي إلى الصفحة العليا، وهم لا يقرون بها، وكل سفل فهو علوّ لما تحته حتى ينتهي إلى المركز، وهم لا يقرون بها، فصح ضرورة أن في الظلمة على قولهم علوًا، وفي النور سفلًا.
وأما قولهم في اللذة والأذى ففاسد؛ لأنَّ اللَّذة لا تكون إلا بالإضافة وكذلك الأذى فالإنسان لا يلتذ بما يلتذ به الحمار، ويتأذى بما يتأذى به الأفعى؛ فبطل قولهم.
وأما الجواب عن الثاني فهو استدلال فاسد؛ لأنَّهم إنما عولوا فيه على الأقسام الموجودة في العالم، وقد قدمنا البراهين الضرورية على حدث العالم على أنَّ محدثه لا يشبهه في شيء من الأشياء فلا سبيل إلى أن يدخل في شيء تحت هذه الأقسام.
وما يدلُّ على تناهي الأصلين أنهما عندهما جسمان، والجسم متناه ضرورة. أن تقول: لا يخلو كل جرم من الأجرام من أن يكون متحركًا أو ساكنًا فإن كان متحرّكًا فقد علمنا أن المسافة التي لا تتناهى لا تقطع أصلًا، لا في زمان متناه، ولا في زمان غير متناه.
ثم لا تخلو حركته إما أن تكون باستدارة أو إلى جهة من الجهات، وأيًا ما كان فهو متناه لذلك ضرورة؛ لأنه نقله من مكان إلى مكان.
وإن قلتم: هو ساكن، قلنا: اقطعوا من هذا الجرم قطعة بالوهم فإذا توهموا ذلك سألناهم متى كان هذا الجرم أعظم أقبل أن يقطع منه أو بعد؟ فأيا ما قالوا، فقد أثبتوا النهاية إذ لا تقع الكثرة والقلة والتساوي إلا في ذي نهاية.
قال أبو محمد (٣): وكلّما ألزمناه من يقول بأنَّ الأجسام لم تزل فهو لازم بعينه لمن يقول: إنَّ الكواكب السبعة والاثنى عشر برجًا لم تزل؛ لأنها أجسام جارية تحت أقسام الفلك وحركته.
(١) الفصل ١/ ٥٥ - ٥٦. (٢) الفصل ١/ ٥٦. (٣) الفصل ١/ ٦٠.