وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال:«من شرب الخمر في الدنيا، ولم يتب منها، كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة، قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار أو صديدهم».
الخامس: يسألون فيقال لهم: القرآن عندكم تضمن النهي عن ملابسة أمور غير الكفر أم لا؟ فإن قالوا: لا كابروا وأنكروا القرآن وسقطت مكالمتهم، وإن قالوا: نعم ورد ذلك في القرآن، قيل لهم: لو أسقطنا العقاب رأسًا عن مرتكبي هذه الأمور، لكان إغراء لهم بمانهاهم عنه، إذ في نصب الوعيد ردعًا للمكلفين عن المعاصي.
قال أبو الفداء بن عقيل: ألا ترى إلى مخافة الأنبياء والصحابة مع جلالة رتبتهم كيف بلغ بهم الخوف إلى نحول الأجسام وتغير الألوان والخروج عن الأهل والأوطان، وألا ترى مقالة معشر الأنبياء - عليهم الاسلام - يوم القيامة: سلم سلم؟ قال الله تعالى مدحًا لهم ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١).
فصل
وأما قول محمد بن كرام: إنّ الإيمان إقرار باللسان حسب، وإن كانوا مؤمنين حقًا فهو معارض لنص القرآن وهو كاف في دفع قوله وإفساده، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فقد نفى الله الإيمان عن المنافقين؛ فمن سماه مؤمنًا، فقد عاند القرآن، وفي هذا مقنع.
* * *
الفرقة الثانية من الأصول الخوارج (٣) والحرورية (٤)
وسماهم أناس المحكمة؛ والكلام عليهم من وجوه:
(١) سورة المؤمنون: الآية ٦٠. (٢) سورة البقرة: الآية ٨. (٣) الخوارج: ظهر الخوارج إلى الوجود بعد قضية التحكيم الذي جرى بين الإمام علي ﵇ ومعاوية في صفين. فعندما عاد الإمام علي ﵇ من صفين إلى الكوفة خرج عليه هؤلاء بعد أن كانوا ضمن عساكره، معتبرين التحكيم خلافًا للإسلام، منادين: لا حكم إلا الله. لذلك سموا: «المحكمة الأولى». واجتمع منهم اثنا عشر ألفًا في حروراء قريبًا من الكوفة، معلنين تمردهم وعصيانهم ضد الإمام ﵇. ولهذا أطلق عليهم: الحرورية، وكان الخوارج يسمون أنفسهم: الشراة، وما الخوارج إلا لقب أطلقه عليهم أعداؤهم. والشراة مفرد الشاري. وقد اختاروا هذا الاسم لأنفسهم لأنهم كانوا يقولون: نحن نضحي بأرواحنا لنحصل على الجزاء الأخروي. وهذا الاسم مأخوذ =