قولهم: إنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا يفيد مع الشرك طاعة، وهذا القول مما انفرد به المرجئة، ولم يوافقهم عليه أحد؛ وهو فاسد سخيف والدليل على فساده وجوه:
أحدها: قال إمام الحرمين في الشامل: ومما يوضح فساد أصولهم أن يقول: المسلم إذا زنى وسرق وقطع الطريق تقام عليه الحدود إجماعًا، لو كانت زلاته محبطة بإيمانه لما استحق عقابًا. فإن تعسف متعسف وزعم أن الحدود ليست بمعاقبة لمقار في الكبائر، سقطت مناظرته ودحضت حجته، وانتسب إلى خرق الإجماع ورد نصوص الكتاب فإنَّ المسلمين مجمعون على أنَّ السارق معاقب على سرقته بالقطع ولذلك لغيت عقوبات الأبدان عمن لا تكليف عليه كالصبيان والمجانين؛ وقد قال الله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (١) فاقتضى ذلك كون الحد جزاء وتنكيلًا بالمحدود وهذا لا محيص لهم عنه.
والثاني: قال أيضًا: يقال لهم معشر: المرجئة، هل تسلمون لنا أن قطاع الطريق السعاة في الأرض المتهجمين على قتل الأنفس وانتهاك الحرمات يوبخون ويذمون ويواجهون بالملائمة والتقريع؟ فإن أبوا ذلك: وقالوا: لا ملام عليهم راغموا الاتفاق، وخرقوا الإجماع والإطباق، وإن سلموا كونهم ملومين مذمومين فاللائمة ضرب من العقاب، ولذلك لا يُلام مقدم على مباح فأنى يستقيم مع ذلك سقوط العقاب على الزلات ولا مخلص لهم عن ذلك.
الثالث: معارضة هذا القول لظاهر القرآن. قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِم مِنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (٣)، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٥).
الرابع: معارضته السنة، ففي الصحيح عن النبي ﷺ قال:«أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، وفيه عن النبي:«من قتل نفسه بحديدة عذب بها يوم [القيامة]».
(١) سورة المائدة: الآية ٣٨. (٢) سورة النساء: الآية ١٢٣. (٣) سورة الفرقان: الآية ١٩. (٤) سورة الأنفال: الآية ١٦. (٥) سورة النساء: الآية ١٤.