للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليه مدة جوره، ورماه بسهام ما أخطأت فؤاده، ولا خطأت ثماده، إلا جرير بن الخَطَفي فإنه عند أكثر أهل هذا الشأن أكثر تفننًا، وأظهر برقًا لا يلوح موهنًا، على أن شيطانهما كان واحدًا، وسلطانهما على المعاني كان متواردًا، إلا أن الفرزدق كان من بيت شرف في تميم، وغرف علية في فخار العظم الرميم. وكان يفاخر بأبيه دارم، ويباهل له بمكارم، ويعد منه نجومًا عواتم، وبحورًا خضارم، ورماحًا خطية وصوارم. وأتى يومًا للمفاخرة وقد جلس في قبة وشي، وَلَفَّ ذيوله بالديباج وتبختر في المشي،

وقال هكذا كان سلفي في الجاهلية اتساع ثراء وارتفاع بناء واتباع.

وكان مع هذه النفس المنافسة في المعالي، المناقشة لأطراف العوالي، يضع من جلالته، ويضع في ضلالته، ويقرض الأعراض ثلبا، ويقرم لأكل لحوم الناس نهبا، وربما كان يُرمى بالفجور، ويوصم بقبائح تسود وجه الديجور. وشعره وإن كان نهاية في الارتقاء، وغاية في الانتقاء، فهو قليل الغوص، لا تستخرج له فرائد، ولا تستنتج له من الخواطر المولدة ولائد. ومن شعره المعدود في سؤر القصائد، قوله (١):

[من الطويل]

أنا ابنُ الجبالِ الشُّمِّ في عددِ الحصَى، … وَعِرْقُ الثَّرَى عِرْقي، فمن ذا يحاسبه

وبَيْتي إلى جَنْبِ رَحِيبٍ فِنَاؤُهُ، … وَمِنْ دُونِهِ البَدْرُ المُضِيءُ كَواكِبُهُ

نَمَتْهُ فُرُوعُ المَالِكَينِ، وَلَمْ يَكُنْ … أبوك الذي من عبد شمس يُخاطبه

تَرَاهُ كَنَصْلِ السِّيفِ يَهتز للندى … جَوَادًا تَلاقَى المَجدَ مُذْ طَرِّ شارِبُهُ

وقوله (٢):

وَرُبِّ ابنِ عَمِّ حَاضِرِ الشرِّ خَيرُهُ … معَ النجم من حيث استقلت كواكبه (٣)

فلا ما نَأَى مِنهُ مِنَ الشَّرِّ نَازِحٌ، … وَلَا مَا ذَنَا مِنْهُ مِنَ الخَيْرِ جَالِبُهُ

فَمَا المَرْءُ مَنْفُوعًا بتَجرِيبِ وَاعظ، … إذا لم تَعِظْهُ نَفْسُهُ وَتَجَارِبُهُ

وقوله (٤) من قصيدة ذكر فيها هدم بيعة دمشق التي هدمها الوليد وأضافها إلى


= ٤٤٢ وانظر فهرسته. وأمالي المرتضى ١: ٤٣ - ٤٩ ومفتاح السعادة ١: ١٩٥ وجمهرة أشعار العرب ١٦٣ وشرح العيون، طبعة بولاق ٢١٣ والحيوان للجاحظ ٦: ٢٢٦ وفيه: «كان غالب بن صعصعة إذا دعا الفرزدق، قال: يا هميم!» قلت: وفي الأغاني، طبعة الساسي ١٩: ٢ «كان للفرزدق أخ يقال له هميم ويلقب الأخطل ليست له نباهة». كتاب الفرزدق للدكتور شاكر الفحام ص … ، تأريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ج … ص … .. الموسوعة الموجزة ٢٠/ ٣٣٧. الأعلام ٨/ ٩٣ معجم الشعراء للجبوري ٦/ ٩٢ - ٩٣.
(١) القصيدة في ديوانه ١/ ٥٢ - ٥٣ في ١٦ بيتًا.
(٢) القصيدة في ديوانه ١/ ٤٨ - ٤٩ في ١٤ بيتًا.
(٣) أي أن شره حاضر وغير معدوم.
(٤) القصيدة في ديوانه ٢/ ٢٠٩ - ٢١١ في ٢٩ بيتًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>