نهارًا وليلا، وهام على وجهه لا يرده بر متقاذف، ولا بحر مجهول المعارف، فسبب طرفه للسباسب، ونكر عرفه للمناسب، واتخذ الفقر اليباب منزلا، والبر البعيد المآب معزلا، حتى أنس به الوحش، ويأس منه أهله إلا لقيًا على النعش، ويقال إنه لم يزل حاله صالحًا وهو يتتيّمها، صاليًا بنارها وهو بين ضلوعه يكتمها، حتى قال:
قضاها لغيري وابتلاني بحبّها … فهلا بشيء غير ليلي ابتلانيا
قبلي بالخبال، وبقي على ما عرف ذاهل البال، لقوله:«فهلا بشيء غير ليل ابتلانيا» لما في هذا من التسخط بسابق المقدور وسالف القضاء في الأمور، وهكذا كثير من جرى بالغال منطقه، وقضى بتصحيح المقال منطقه، يظن كل دار دارها، وكل نار نارها، فاشتهر بها هيامه، وظهر في حيها غرامه، ولم يبق حي من أحياء العرب إلا وبه من حديثه سامر، ومن أحداثه من يحدّث عن ليلى، ومجنون بني عامر، وله ديوان أكثره منحول، وجوهره منه ما نقول:[من الوافر]
فقالوا: أين مسكنها ومَنْ هِي … فقلت: الشمس مسكنها السماء
فقالوا: مَنْ رأيتَ أحبّ شمسًا … فقلتُ علي قد نزل القضاء
إذا عقد القضاء عليّ أمرًا … فليس يحلُّهُ إلا الفضاء
وقوله:[من الطويل]
أرى أهل ليلى أورثوني صبابة … ومالي سوى ليلى الغداة طبيب
إذا ما رأوني أظهروا لي مودّةً … ومثلُ سيوفِ الهند حين أغيب
فإن يمنعوا عيني منها فمن لهم … بقلب له بين الضلوع وَجِيبُ
إذا كان يا ليلى اشتياقي إليكم … ضَلالًا وفي بري لأهلِكِ حُوْب
= يعقوب، ط ٢، دار الكتاب العربي - بيروت ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٦ م. مصادر ترجمته: فوات الوفيات ٢: ١٣٦ وسرح العيون ١٩٥ والنجوم الزاهرة ١: ١٨٢ وسمط اللآلي ٣٥٠ وفيه اختلاف الناس في اسم المجنون واسم أبيه. وكذا في خزانة البغدادي ٢: ١٧٠ - ١٧٢ وانظر الأغاني طبعة دار الكتب ٢: ١ والآمدي ١٨٨ وشرح الشواهد ٢٣٨ وفيه: «عن نوفل بن مساحق، قال: أنا رأيت مجنون بني عامر، كان جميل الوجه أبيض اللون وقد علاه شحوب». والشعر والشعراء ٢٢٠ وتزيين الأسواق ١: ٥٨ وفي شرح الشواهد للعيني: «المجنون: قيس بن معاذ. وقيل مهدي. والصحيح قيس بن الملوح». و Brock، ١: ٣ (٤٣، ٤٨)، S. ١: ٨١ وأخبار القضاة لوكيع ١: ١٢٨ ودار الكتب ٧: ١٠٠. الموسوعة الموجزة ٢١/ ١٣٩. الأعلام ٥/ ١٠٩. معجم الشعراء للجبوري ٤/ ٢٠٩.