للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فوقع شعرها منه موقع الاستحسان، ووصلها بما غمرها به من الإحسان، ثم أمرها، فصاغت فيه لحنًا، وغنت فيه ليلتها كلّها، وهو يوالى عليه الكؤوس، ويحثها حتى أحرقت فحمة الليل جمرة الشموس؛ فلما أصبح يزيد التكور إلى الرواق للجلوس على سريره، ويكمله بتصريف الأوامر تمام شكوره، أمر لعزيز بعشرة آلاف درهم، وكارة جليلة من القماش، وزاد في قدر جرايتها، ثم نقلها إلى خواص خطاياه، وأمهات أولاده، وبقيت على هذا حتى ماتت وهي ضجيعته، وعلى وساده.

ومنهم:

[١٦٣] غرير جارية الحكم بن هشام (١)

جارية تفتن البصر، وتعقل اللسان بالحَصَر، وتفوت رام رامة، وتتّهم بشبهها خادر تهامة، وتصمي الأحشاء من حذقها بقسي ما لها وتر، وتشب جمر القلوب من جفنها بما فتر، وتغني والحمام قد أخذت في أهزاجها، والبروق قد علنت بماء السحاب مزاجها، فتهزّ القدّ أكثر من هزّ الأغصان، وتكلف اللحن الشحيح بذل ما صان، ولهذا كان هواها حكمًا على الحَكَم، ومستنطقًا لعبراته، وقد أسكته إلبكم، فكان لا يصبر على نأيها، ولا يصبر عن نايها، يظنّ أنفاسها أنفاسه التي هي مدد الحياة، وسبب وجوده في الدنيا وبقياه.

ولها صناعة في أصوات منها: [من المنسرح]

كانَ رَحِيلِي مِنْ أَرْضِكُمْ عَجَبًا … وحادثًا مِنْ حَوادِثِ الزَّمَنِ

من قبل أَنْ أَعرض الفِرَاقَ على قَلْبِي … وأن استعد للحَزَنِ

والشعر للعباس بن الأحنف (٢)، والغناء فيه من الثقيل الأول.

وحكي: أن الحكم كان يهوى جارية له لا ترى القمر إلا طالعًا في لبتها، ولا الرائي إلا في محبتها، ثم تنكر لها، فتجنت عليه، وتثنت إلا أنها ما ألوت إليه، فعز لديه هجرانها، وأعرض عنها، وفي أحشائه نيرانها، ثم لم يجد إلا أن أغلظ في عتابها، وظنّه سببًا لمتابها، فزادت عليه تأبيًا كدر عيشه، ونكد عليه نكدًا ضعضع خيشه، وكان لا يتسلّى، ولا يهنأ بعيش ولا يتملّى، ولم يجسر أحد على خطابه، وكف جامح عتابه،


(١) تكرر هذا العنوان في الترجمة السابقة، مع اختلاف في النصّ، والاسم غير منقوط، فلعل كل منهما اسمها يختلف عن الأخرى.
(٢) ديوانه ٢٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>