للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فاستدعى ملهياته؛ ليشغلنه ليلته بطربهنّ، وكانت عزيز شاعرة مغنية لبيبة، أديبة فطينة، كثيرة الرواية، ففطنت لحال مولاها، وما وجده لفراق حنين، ووجهه من القلق لوشيك البين، فصنعت لحنًا في شعر بعض الأزد؛ وهو أبو عدي عامر بن سعيد أحد بني النمر بن عثمان: [من الطويل]

أَلا مَنْ لنفس لا تُؤَدَّى حقوقها … إليها ولا ينفك غلا وثيقها

عَصَتْ كلَّ ناءِ مُرْشِدٍ عَنْ غُوَاتِهِ … فإنَّ لها في الغَيِّ نَحْبًا يُسُوقُها

إذا استدبرتْ مِنْ غَيْها عَطَفَ الهَوَى … عليها أمورًا صَعْبَةً ما تُطيقها

وقد دهديت بالحي دار مشِيئَةٍ … وصرف النَّوى أشتانها وصفوقها

ألا طرقتنا أمُّ سَلْمِ وأَرَّقَتْ … فيا حَبَّذا إلمامها وطُرُوقُها

فيا ليتني حُمَّتْ لنفسي مَنِيَّتِي … ولمْ يتَعَلَّقْنِي لِحِينٍ عُلُوقُها

ورددته حتى أجادته؛ فلما استدعى الحكم، جواريه، دخلت غرير من باب المضرب، وهي تغني هذا الصوت، فاهتز الحكم حتى خرج عن فرشه، وقال: لله أنت يا غرير ما أبصرك بمواقع البلوى، وأعرفك بمواضع الشكوى. لمن الشعر؟ فقالت: إنه لرجل من بني النمر بن عثمان، فقال: والله أنت أحق به منه؛ إذ أتيت به كأنما صيغ لما نحن فيه، ثم أمرها بإعادته، وبعث لوقته من أحضر حينًا وأقام في متنزهه أيامًا كأنما كانت أحلامًا، وأمر الغرير بعشرة آلاف، وأمرت لها حين بمثلها، ثم كانت تصفيها الود مدة حياة الحكم.

وحكى أنه استدعى بها في غرة يوم طلعت شمسًا في صباحه وكأسًا لاصطباحه، وكان الحكم لا ينال اللذات إلا سرًا، ولا يلم بالشراب حتى يلقي عليها سترًا، ولا يجالس إلا من داخل ستارة، ولا ينافس في القمر إلا من دائرة دائرة، خوفًا من فضيحة الاشتهار، وفرارًا من علن الإظهار، وظل يقترح يومه عليها، وعلى سائر جواريه الأصوات، ويحث المدام بها في الخلوات، إلى أن صدع الليل زجاج النهار، وبان في جفن عين الشمس الانكسار وشرعت تنكر الجواد، وتقبل شيعة الليل من الشرف بشعار السواد. قال الحكم: هل فيكم من ينظم في هذا الشعر؟ فبدرت غرير فقالت: [من الخفيف]

قد تقضى النهارُ إِلا بَقَايَا … مِنْ شُعاع مُخلّف للأصيل

وأتانا الظلام من قبل الشر … قِ فأهلًا منه بخير نزيل

دام هذا وذا بطولِ بَقَاءِ الـ … حَكَم السيد الفتى المأمول

<<  <  ج: ص:  >  >>