جارية تخجل الشمس فتتبرقع بالشفق، ويفصح النسيم، فلا غرو بسعيه إذا خفق.
كانت إذا اندفعت للغناء، فتقت ما على المسامع من الغشاء، وطفقت تزيد، وحبابه جارية تنقص، وصفقت الجداول والأغصان ترقص وانقطعت سلامة القس في ديرها، وقلت فضل بالنسبة إليها، فكيف حال غيرها؟ وكانت تذكر البقية المروانية سالف الأيام، وطائف خيال زمانهم، وفي طاعاتهم الأنام، فيذكر باقيهم أباه الأملاك، ويقول كما قال جده عبد الملك: نحن كذلك، فسعى مدامعه البشام، وأسف لطيب أيام، لو تكون له بالشام، وهي الأيام لا تدور، ولا تصفح عمن أضرَّ واعتذر، سلبتهم جلباب ذاك الأوان، وفعلت بهم فعلها بصاحب الأيوان، إلا أنهم عمروا الأندلس بالملاذ، وغنوا بها عن دمشق وبغداد، وداموا بها إلا أن كل نعيم إلى نفاد.
ولها أصوات، فمن مشهور قولها:[من مجزوء الرمل]
يا شَبِيةَ البدرِ في الحُسْ … نِ وفي بُعْدِ المنال
وحكي: أن الحكم جلس في مجلس له يمتد فيه طلق النظر في فسيح الفضاء، وقد خلا يلذاته، وأقبل على أنسه وجمع جواريه، واقترح عليهن الأصوات، وجعل بينهن الخيار، فلم تبق واحدة منهن حتى بلغت جهدها، فما أتت به؛ فلما تصرم المجلس أو كاد، وبرز جنح العصر في مجسد من جساد ورق ليصدع زجاجته، وبرق نهر النهار لأنفته من محاجته أقبل عليهن، وقال لهنَّ: أيتكن تصنع لحنًا في شعر من أشعار عشاق العرب يحسن لدي موقعه، ويزلف له في قلبي موضعه، حكمت لها على صاحباتها، وأجبتها إلى ما تمنت، فلم يبق منهن إلا من صنع لحنًا، وأبدع فيه حسنًا، وهو لا يقبل عليه، ولا يلتفت إليه، حتى اندفعت بهجة تغني هذا:[من الطويل]
وإني لتعروني لذكراكِ هِزَّةٌ … لها بينَ جِلْدِي والعِظامِ دَبِيبُ
وما هُوَ إِلا أَنْ أَرَاهَا فَجَاءَةٌ … فَأَبْهَتَ حَتَّى ما أَكَادُ أَجِيبُ
(١) الحكم بن هشام، وقد مرّت ترجمته في هامش الترجمة السابقة. (٢) دوانه ٥/ ١٩١٠.