الليل عن سراه. كل هذا إلى خلق به يتخلق الأبرار، وتتحقق صفات الأخيار، ويدل على ما وراءها من العمل لما فيه نعم عقبى الدار.
كان في بلده جليلًا، وفي عدده كثيرًا، لا يجد مثله إلا قليلًا، صحب السلطان محمد بن خدابنده، وكان في سيارته من مدرسي السيارة، وهم جماعة كان يقرر أن يكونوا بالاردو حيث خيم السلطان، وكان من أنظار القطب الشيرازي وأمثاله، وأحسن حالًا منه عند خواجا رشيد لما كان يجده في نفسه على الشيرازي، ويرجى به طرفه من الغضاضة، ويتقصد به جناحه من الإهاضة، وكان يُعلي شيخنا الأصفهاني ويرفعه، ويزين به أفق المجالس ويطلعه، وكان يحاضره ويسامره، ويفيد العلم ويذاكره، وكان يجزل له العطاء، ويدر له الصلات، وينوه بذكره، وينبه على جلالة قدره، وقرأ عليه ابنه الوزير الكبير آخر وزراء الشرق بل ملك الرياسة بحكم الحق أمير محمد بن خواجا رشيد، وتخرَّج به وحصل، وقدم الشيخ الأصفهاني دمشق واستوطنها فارغًا من تلك البلاد على عظم مكانته فيها وامتلأ صدور أهلها بتعظيمه، وأقام والطلبة تتسامع به وتتواصل إليه، وتأتيه من كل جهة ومكان.
وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يثني عليه أحسن الثناء ويصفه بالفضل الوافر والعلوم الجمة، قال لي: ما قدم البلاد علينا مثل الشيخ شمس الدين الأصفهاني.
ورأيت شيخنا الأصفهاني قد زاره مرةً فقام إليه ومشى خطوات لتلقيه، وعرض عليه أن يجلس مكانه فأبى، وكنا في ذلك الوقت نقرأ عليه، ودخل وأنا أقرأ في المسح على الخفين من «العمدة» في الأحكام الصغرى، فقال ابن تيمية للأصفهاني: ما نتكلم وأنت حاضر.
فقال له الأصفهاني: الله، الله يا مولانا، مولانا شيخ السنة وإمام العلماء.
فقال لي ابن تيمية: ما فيها اليوم قراءة، اليوم يوم فراغ لسماع فوائد الشيخ، وأشار إلى الأصفهاني، فلبثت ساعةً رأيت مجمع البحرين ومطلع النيرين، فكانا فحلين يتصارعان، وسيفين يتقارعان، تركتهما وأنا أظن أن مكة قد انطبق أخشباها، وأن المدينة قد تلاقت حرتاها، ثم طفقت استثبت هل دمشق قد أنقع شرفاها، والأرض قد اجتمع طرفاها، ثم كنت لا أزال أسمع ابن تيمية يعظمه، وكذلك ابن الزملكاني، وأما الخطيب، فإلى غاية لا تبلغ.
وقال ابن تيمية مرة في تقرير مدرس حضره جُلَّة العلماء وحضره الأصفهاني فتكلم رجل من أعيان العلماء فيه، فقال ابن تيمية: اسكتوا لنسمع ما يقول الشيخ وأشار إلى الأصفهاني، ثم قال: الشيخ شمس الدين بزرك، والبزرك هو الكبير باللغة الفارسية.