المنطق. وكان الفارابي يشعر أيضًا. وسأل بعضهم أبا نصر: من أعلم أنت أم أرسطو؟ فقال: لو أدركته لكنت أكبر تلامذته. ويذكر عنه أنه قال: قرأت السماع لأرسطو أربعين مرة، وأرى أني محتاج إلى معاودته (١).
ومن شعر أبي نصر الفارابي (٢): [من مخلع البسيط]
لَمَّا رَأَيتُ الزَّمانَ نَكسا … وَلَيسَ في الصُّحبَةِ انتِفاعُ
كُلُّ رَئيسٍ بِهِ مَلالُ … وَكُلُّ رَأسٍ بِهِ صُداعُ
لَزِمتُ بَيتي وَصُنتُ عِرضًا … بِهِ مِنَ العِزَّةِ انتِفاعُ
أشرَبُ مِمّا اِقتَنَيتُ راحًا … لَها عَلى راحَتي شُعاعُ
لي مِنْ قَواريرِها نَدَامَى … وَمِنْ قَراقيرها سَمَاعُ
وأجتني مِنْ حَديثِ قَومٍ … قَدْ أقفرت منهم البقاع
وقال أيضًا (٣): [من المتقارب]
أخي خَلٌّ حَيّزَ ذِي باطل … وكُن للحقائقِ في حَيِّز
فما الدار دار خُلود لنا … ولا المرء في الأرضِ كالمعجز
وهل نحن إلا خطوط وَقَعْنَ … على كُرة وقعَ مُستوفز
يُنافس هذا لهذا على … أَقلَّ مِنَ الكَلِم الموجز
محيط السماوات أولى بنا … فَلِمْ ذا التنافس في المركز
ومنهم:
[١٤] يحيى بن عدي، أبو زكرياء المنطقي (٤)
حكيم علمه والودق شيئان، وقلمه والبرق سيان، كان أول حاله علمًا في ملته، ومعلمًا لأهل قبلته، وعرف بالمنطق مع أنه بعض علومه، ومن جملة ما دخل من الخصائص في عمومه، وأضاءت له من الأدب لمع تمَّمت فضائله، ونمت هلاله، والبدور الكوامل متضاءلة.
(١) الترجمة منذ بدايتها إلى هنا. منقولة عن عيون الأنباء ٦٠٣ - ٦٠٦.
(٢) عيون الأنباء ٦٠٧.
(٣) عيون الأنباء ٦٠٧.
(٤) يحيى بن عدي بن حميد بن زكريا، أبو زكريا: فيلسوف حكيم، انتهت إليه الرياسة في علم المنطق في عصره ولد بتكريت سنة (٢٨٠ هـ/ ٨٩٤ م)، وانتقل إلى بغداد. وقرأ على الفارابي، وترجم عن السريانية كثيرًا إلى العربية، وتوفي ببغداد سنة (٣٦٤ هـ/ ٩٧٥ م) ودفن في بيعة القطيعة. =