ولم يخل منهله من زحام، ولا تصرفه من زمام، فكم جاءت إليه الأفواج، وتزاحمت في بحره الأمواج، ونداه يسع، وجداه لا يدع، وجعل مدينة حماة سوقًا لفوائده، ومعدنًا لفرائده، وكان قصدها لا يعد إلا في معالي الرتب، ولا يزال يرحل إليه على كور وقتب، وهو على هذا الازدحام، وكثرة من حلق عليه وحام، لا يودع الحكم غير أهلها، ولا يدع للشفة إلا قدر نهلها، فكان لا يزال لديه شفيع لطالب، ومتوسل بخلائقه الأطايب، فلم يكن مثله سيف لا يزال يخدمه القلم، وينشر لعلمه على جناح الجوزاء العلم، وكانت ملوك زمانه تجله، ولو قدرت عرفت من نجاد ممالكها أين تحله، فقد كان سيفًا مشرفيًا، ومثقفًا سمهريًا، طالما طال المفارق والطلا، وطاب معدنه، فلم يحتج إلى تنميق الحمائل والحلى، هذا وليس به فلول من قراع الكتائب ولا ذهول، وبحره جم العجائب.
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان أذكى أهل زمانه، وأكثرهم معرفة بالحكمة والشريعة والمبادئ الطبية، بهي الصورة، فصيح اللسان، جيد التصنيف، خدم الملك المنصور صاحب حماة، وأقام عنده سنين ورتب له الرواتب السنية، فلما توفي أتى الملك المعظم عيسى فبالغ في الإنعام عليه وإكرامه، وولاه التدريس، وكانت الناس تتعجب له في المناظرة والبحث، وقل أن كان يشتغل في العلوم الحكمية. وتشفع العماد السلماسي بابن بصاقة اليد ليقرأه، فكتب إليه:[من البسيط]
واجعل له نسبًا يُدلي إليكَ به … فلحمة العلم تَعْلُو لُحَمةَ النسب
ولا تَكِلْهُ إلى كُتب تُنبته … فـ (السيفُ أَصدَق أنباءٌ مِنَ الكُتُبِ)(٢)
ومنهم:
[٣٠] البديع الأَصْطُرْ لابي، وهو بديع الزمان أبو القاسم، هبة الله بن الحسين بن أحمد البغدادي (٣)
حكيم فاق بتفنن علمه الحكماء، ولم يكف نظره فسيح الأرجاء حتى شق
(١) عيون الأنباء ٦٥٠. (٢) إلى هنا ينتهي من عيون الأنباء ٦٥٠ - ٦٥١. (٣) البديع الأَسْطُرُ لابي: هبة الله بن الحسين بن يوسف الأسطرلابي، أبو القاسم، فيلسوف من علماء الأطباء ومن كبار علماء الفلك من أهل بغداد. كان في أصبهان سنة (٥١٠) واشتهر بعمل الآلات=