ومن فلاسفة المغاربة وحكمائها ومتكلميها ممن كان بالأندلس:
[٣٩] يحيى بن يحيى، المعروف بابن السمينة (١)
كان من أهل قرطبة، أتقن العلم والحساب، وعلم التصور والاكتساب، وعانق الصبر والاحتساب، وعانى مهم الفن حتى أوتي أجره بغير حساب، فمات وآخر الحياة الموت، ونهاية الدرك الفوت، بعد خيرات آثرها، ومبرات بقيت وقد أكلت الأيام مؤثرها، وعمل صالح بلا اكتراث، وعلم نافع يبقى إذا انقطع عمل ابن آدم إلا من ثلاث.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): قال القاضي صاعد: إنه كان بصيرًا بالحساب، والنجوم، والطب، متصرفًا في العلوم، متفننًا في المعارف، بارعًا في اللغة، والعروض، ومعاني الشعر، والفقه، والحديث، والأخبار، والجدل، ورحل إلى المشرق ثم انصرف.
قلت: وقد ذكره ابن المازري وقال: قدم علينا مصر حاجًا، وتسامع به الناس فأتوه من كل فج، وقرأوا عليه كتبه وغيرها، وحبوه بالذهب، وأنواع الحباء فلم يقبل لأحد شيئًا، وكان متقللًا من الدنيا، زاهدًا في حطامها، لا يزال يذكر الموت وهول المطلع، ويقول: ليت أمي لم تلدني. قال: وكان كثير الصدقة والبر ولاسيما إذا رأى ذا عجز ظاهر، ملازمًا للصلوات في أوقاتها، نزل في دار قريبة من المسجد الجامع ليقرب عليه أداء الفرائض في الجماعة، وكان إذا صلى ظهر عليه من الخشوع، وفيض الدموع ما يكاد يرحمه به من رآه، قال: وكان لا يزال ينشد: [من الطويل]
إذا نظر الدُّنيا بَصيرٌ بحالِها … تيقَّنَ أنَّ الدَّهرَ جَمُّ المصائب
(١) توفي سنة (٣١٥ هـ). ترجمته في: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي ٢/ ١٨٨ رقم ١٥٨٠، عيون الأنباء ٤٨٢، نفح الطيب ٣/ ١٧٦، وطبقات النحويين ٢٨٩، وطبقات الأمم ٨٧، وتاريخ الإسلام (السنوات ٣٠١ - ٣٢٠ هـ) ص ٥٠٥ رقم ٢٤٢. (٢) عيون الأنباء ٤٨٢.