فاضل متميز، وكامل إلى الأطباء متحيز، أخذ من كل علم بحظ وافر، وحق ما الفائز به إلى الظافر، وكان يقيس الأمور بأنظارها، ويحوزها من سائر الأطراف باستحضارها، فأطل على ربواتها، واطلع على هفواتها، حتى كان يعرف نبض البرق في اختلافه، ويحيط علمًا بكل موافق وخلافه. هذا إلى آداب ترق، ويهب لطفها النسيم ويسترق، ومات وفي يده أزمة الطب، وذهب هو والمستطب، ولم يدفع عن حوبائه تلك المعارف، ولا زادت من حينه الأجل المشارف، فاستوطن الترب مخليًا للترب ومخليًا للسرب، فاهًا ثم آهًا وويلاه لحسرات لا تتناهى كيف يأفل مثل قمره، وكيف ينقضي طيب سمره، وكيف يذهب مثله من العلماء، ويذهب من بين نجوم السماء، وطالما جلا الدجى، وأنهج طرق الحجا، وامتدت نحوه أيدي الخلفاء، واعتدت له بحسن الوفاء، وثنت العلياء له الوسائد وأخدمته الأيام والليالي ولائد.
قال ابن أبي أصيبعة (٢) فيه: هو الإمام الوزير، الحكيم، الأديب، الحسيب،
(١) ورد في الأصل: «أبو بكر بن محمد … » وما أثبتناه والمصادر الأخرى. وهو محمد بن عبد الملك بن زُهر الإيادي، أبو بكر: من نوابغ الطب والأدب في الأندلس. ولد بإشبيلية سنة (٥٠٧ هـ/ ١١١٣ م)، وخدم دولتي الملثمين والموحدين. ولم يكن في زمنه أعلم منه بصناعة الطب، أخذها عن أبيه وعرف بالحفيد ابن زهر. له «الترياق الخمسيني» في الطب، ورسالة في طب العيون وشعر رقيق، وموشحات انفرد في عصره بإجاده نظمها، أشهرها موشحة مطلعها: «ما للموله، من سكره لا يفيق» وثانية مطلعها: «أيها الساقي إليك المشتكى … قد دعوناك وإن لم تسمع» توفي بمراكش سنة (٥٩٥ هـ/ ١١٩٩ م). ترجمته في: معجم الأدباء ٥٢٨٥٢١، وعيون الأنباء ٥٢١ - ٥٢٨، والوافي بالوفيات ٤/ ٣٩ - ٤٣ رقم ١٤٩٧، ونفح الطيب ١/ ٦٢٥، وتاريخ الأدب العربي ١/ ٦٤٢، والمطرب لابن دحية ٢٠٧، والمعجب للمراكشي ١٤٥، وتكملة الصلة ٢/ ٢٥٥، ووفيات الأعيان ٤/ ٤٣٤ - ٤٣٧، والعبر ٤/ ٢٨٨، وسير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٢٥ - ٣٢٧ رقم ١٧١، والمختار من تاريخ ابن الجزري ٧١ - ٧٢، وإنسان العيون ورقة ٨١، والمختصر في أخبار البشر ٣/ ١٢٧، وتاريخ ابن الوردي ٢ وشذرات الذهب ٤/ ٣٢٠، والكنى والألقاب للقمي ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤، والأعلام/ ٦/ ٢٥٠، وتاريخ الإسلام (السنوات ٥٩١_٦٠٠ هـ)، ص ٢٠٢ رقم ٢٦٥. (٢) عيون الأنباء ٥٢١.