للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأصيل مولده بمدينة إشبيلية ونشأ بها وتميز في العلوم، وأخذ الطب عن أبيه، وباشر أعمالها وكبر، ولم يتغير عليه سوى ثقل السمع. حفظ القرآن الكريم، وسمع الحديث الشريف، واشتغل بالأدب، وأتقن اللغة، وقال الشعر، وأجاد في الموشحات.

وكان متين الدين ملازمًا للأمور الشرعية، قوي النفس، له جرأة في الكلام، ولم يكن في زمانه أعلم منه بالطب، لازم عبد الملك الباجي سبع سنين يشتغل عليه، وقرأ المدونة لسحنون في مذهب مالك، ومسند ابن أبي شيبة وكان يجذب قوسًا وزنه مائة وخمسين رطلًا بالإشبيلي، ورطلها مائة وستون درهمًا، وكان جيد اللعب بالشطرنج، وخدم الملثمين والموحدين، وبقي إلى أيام عبد الملك الناصر بن منصور يعقوب، ومات بمراكش.

وحكي: أنه كان له صديق يلاعبه الشطرنج، فرآه يومًا منقبضًا فسأله عما به، فأخبره أن له بنتًا زوجها من رجل، وأنه يحتاج في جهازها إلى ثلاثمائة دينار، فقال له: العب، وما عليك فإن عندي ثلاثمائة دينار إلا خمسة، واستدعى بها فأعطاها له، فلما كان غير بعيد أتاه الرجل بالذهب، فقال له الحفيد ابن زهر: ما هذا؟ قال: بعت زيتونًا لي بسبعمائة دينار وقد اتيتك منها بثلثمائة إلا خمسة عوض ما أقرضتني وقد بقيت عندي البقية، فقال الحفيد: خذه إليك، فإني ما أعطيتكه على أن أعود فيه. فقال له الرجل: لا تفعل فإنني في سعة وترى ذا، فقال له ابن زهر أنت عدوي أو صديقي؟ قال: بل صديقك وأحب الناس فيك، فقال: إن الصديقين مالهما واحد فخذه، فإن لم تفعل عاديتك بسببه، فأخذه وشكر له.

قال القاضي أبو مروان الباجي: وكان المنصور قد قصد أن لا يترك شيئًا من كتب المنطق والحكمة باقيًا في بلاده. وأباد كثيرًا منها بإحراقها بالنار وشدد في أن لا يرجع أحد يشتغل بشيء منها، وأنه متى وجد أحدًا ينظر في هذا العلم أو وُجد عنده شيء من الكتب المصنفة فيه، فإنه يلحقه ضرر عليه. ولما شرع في ذلك جعل أمره مفوضًا إلى الحفيد أبي بكر بن زهر، وأنه الذي ينظر إليه. وأراد الخليفة أنه إن كان عند ابن زهر وإنه الذي ينظر فيه المنطق والحكمة لم يظهر، ولا يقال عنه إنه يشتغل بها، ولا يناله مكروه بسببها، ولما نظر ابن زهر في ذلك، وامتثل أمر المنصور في جمع الكتب من عند الكتبيين، وغيرهم، وأن لا يبقى شيء منها، وإهانة المشتغلين بها. كان بإشبيلية رجل من أعيانها يعادي الحفيد ويحسده وعنده شر عظيم، فعمل محضرًا في أن ابن زهر دائم الاشتغال بهذا الفن والنظر فيه، وأن عنده شيئًا كثيرًا من كتبه، وجمع فيه شهادات كثيرة، وبعث إلى المنصور. وكان المنصور حينئذ في حصن الفرح وهو موضع

<<  <  ج: ص:  >  >>