للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بناه قريبًا من أشبيلية على ميلين منها صحيح الهواء بحيث بقيت الحنطة فيه ثمانين سنة لم تتغير من صحته. وكان أبو بكر بن زهر هو الذي أشار أن يبنيه المنصور في ذلك الموضع، ويقيم فيه في بعض الأوقات. فلما كان المنصور به، وقد أتاه المحضر نظر إليه، ثم أمر أن يقبض على الذي عمله، وأن يودع السجن ففعل به ذلك. وانهزم جميع الشهود الذين وضعوا خطوطهم فيه. ثم قال المنصور: إنني لم أترك ابن زهر في هذا إلا حتى لا ينسبه أحد إلى شيء منه، ولا يقال عنه. والله لو أن جميع أهل الأندلس وقفوا قدامي وشهدوا على ابن زهر بما في هذا المحضر لم أقبل قولهم، لما أعرفه في ابن زهر من متانة دينه وعقله.

وحدثني أبو العباس أحمد بن محمد الإشبيلي قال: كان قد أتى إلى الحفيد اثنان يشتغلان عليه بصناعة الطب، فدخلا عليه يومًا وبيد أحدهما كتاب صغير في المنطق، فلما نظر إليه نهض حافيًا ليضربهما وانهزما وهو يتبعهما، ولم يرجع إلا من مسافة بعيدة، وانقطعا عنه أيامًا، ثم توسلا إليه واعتذارا وأظهرا التوبة مما فعلاه، فقبل عذرهما، وأذن لهما في الدخول عليه مستمرين في قراءة الطب على عادتهما، ثم بعد مدة أمرهما بحفظ القرآن، وقراءة التفسير والحديث والفقه وأمرهما بمواظبة الأمور الشرعية وآدابها وسننها، وعدم الإخلال بذلك حتى بقي ذلك لهما سجية وطبعًا وعادة قد ألفاها، ثم بعد ذلك أخرج لهما الكتاب بعينه، وقال لهما: الآن صلحتما القراءة هذا الكتاب وغيره من أمثاله، وابتدأ في إشغالهما فيه، فتعجبا من فعله . وهذا يدل على كمال عقله وتوفر مروءته.

وحدثني القاضي أبو مروان الباجي قال: كان أبو زيد عبد الرحمن بن برجان وزير المنصور يعادي الحفيد ويحسده لما يرى من علو منزلته وعلمه فاحتال عليه في سم قدمه إلى الحفيد في بيض، وكانت عنده بنت أخته، وكانت أخته وابنتها هذه عالمتين بصناعة الطب والمداواة، ولهما خبرة جيدة بمداواة النساء، يدخلان على المنصور، لا يقبل للمنصور وأهله ولدًا إلا أخت الحفيد أو بنتها لما توفيت أمها. فلما أكل الحفيد وبنت أخته من ذلك البيض ماتا جميعًا، ولم ينفع فيهما علاج. قال: ولم يمت أبو زيد عبد الرحمن بن برجان إلا مقتولًا قتله بعض أقربائه.

ومن شعره يتشوق إلى ولده: [من المتقارب]

ولي واحد مثل فرخ القطا … صغير يُخلِّفُ قلبي لديه

نأت عنه داري فيا وحشتي … لذاك الشخيص وذاك الوجيه

تَشَوَّقَني وتَشَوَّقْتُهُ … فيبكي علي وأبكي عليهِ (١)


(١) إلى هنا ينتهي النقل من عيون الأنباء ٥١٧ - ٥٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>