يحيى بن الفرح بن زيتون، والأصول على محمد بن عبد الرحمن قاضي تونس، وقدم مصر عام تسعين، وسمع بدمشق من ابن الواسطي، وابن القواس، وبحماة من المحدث ابن مزير.
ومنهم:
[٤٩] محمد بن إبراهيم المتطبب، صلاح الدين المعروف بابن البرهان الجرائحي (١)
عالم لا يحصر بأمد، ولا يجيء البحر عنده غير ثمد، نظر في علوم الأوائل، ووجهه ما تلثم بعذاره، ولا بعد عهده بزمان أعذاره، ففتح أطباق تلك النواويس حتى استل علومها، وسأل عليمها، ونقل إلى حفظه خبايا أسرارها، وخفايا أسفارها، وحيي به ما مات في لحود رممها، وفات بخمود هممها، واستقل بتلك الأعباء، واستمل منه طرائف تلك الأعباء، فحصل ما كان طالبًا، وحسن ما جاء جالبًا.
قرأ الطب على ابن النفيس وغيره، وقرأ الحكمة. وآخر ما قرأ كتاب «الشفاء» لابن سينا على شيخنا الأصفهاني، كان يتردد إليه من القاهرة إلى الخانقاة القوصونية بالقرافة التي لا يعنيه إلا القراءة عليه، ولم يزل حتى أكمله قراءة وبحثًا واستشراحًا.
وكان طبيبًا حكيمًا، فاضلًا متفلسفًا، قائلًا بالروحانيات، له ميل إلى النجامة، ومخاطبات الكواكب، وتطلع إلى الكيمياء، يتحدث فيه ويصحح قول المتقدمين في صحتها.
وحكى لي أنه كان يصحب ابن أمير يعرف بابن سنقر الرومي، وأنه كان يعملها وصحت معه طرف منها، وكان يحكى هذا عن ابن سنقر الرومي عجائب وغرائب منها أنه عمل له فسقية معقودة في تربة له بالقرافة لها منافس للهواء، فلما نجزت اتخذ له غذاء مركبًا مما يخف مقداره وتكثر تغذيته، ونزل إلى تلك الفسقية، وأمره بتعهده في كل أسبوع ويجدد له الماء، وأنه بقي يتعهده كذلك، وكلما أتاه بعد أسبوع وجده قد تزايد ضعفه عما فارقه عليه حتى كان رابع أسبوع، قال: أو خامسه - الشك مني - أتيته
(١) توفي سنة ٧٤٣ هـ. ترجمته في: الوافي بالوفيات ٢/ ٢٣، وأعيان العصر ٤/ ٢٢٢، الدرر الكامنة ٣/ ٢٨٨، ومعجم الأطباء ٣٥٧.