للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فوجدته قد غارت عيناه وخفت حسّه حتى ظننت أنه قد مات، فحملته أنا وآخر كان قد أطلعه على حاله معي، وأخرجناه ونقطنا في فمه نُقطًا من الشراب، وأذكينا عنده الأرابيخ لنغذوه بها ثم لم نزل نتعهده إلى أن نقطنا مرقة فروج في فمه، فأفاق ولم يكلمنا. ودمنا على هذا حتى كلمنا، وقال لي: لا جزاك الله خيرًا، حلت بيني وبين ما حاولته من الانتقال إلى ما كنت أريد الانتقال إليه إلى خير من هذا العالم. ثم قال: أدركني بفاصد، فقلت: والله لا أفعل، فقال: يا أخي لا تفعل أدركني به، ولا تدع ينزل من دمي إلا ما قل لترى العجب، فأتيته بفاصد فقصده، ولم أدعه ينزل من دمه إلا ما قل ثم شددت يده، فقال: أحفظ هذا الدم في زجاجة وسدَّ رأسها لا يفسد بالهواء، ففعلت ثم قال: ائتني بقرعة وانبيق، فأتيته به، فأداره ثم سكب ذلك الماء عليه، فاستحال فضةً بيضاء، فتركه عندي إلى أن عاد إلى معهود صحته وقويت قواه، ثم خرجنا إلى جهة الخارقانية، وكان له بها تعلق ثم أمرني أن أذهب إلى بلبيس لأبيع تلك الفضة، وآتيه من عرضها بمآكل، فذهبت بها إلى صايغ هناك فأريته إياها وأنا خائف وجل لا يظهر له منها عيب، فيظن أني أردت التحوير عليه، فأخذها واعتبرها فلما صحت معه سارع إلى مشتراها مني، فأخذت من الثمن شواء وحلوى وفاكهة وغير ذلك، وفضل معي ثمانمائة وثلاثون درهمًا أو كما قال فأتيته بذلك فأكلنا ثم قال: خذ الدراهم ولا جزاك الله خيرًا لكونك تسببت في عودي إلى تعب هذا العالم.

قلت: وكان هذا الطبيب عارفًا بالطب علمًا لا عملًا، لا يحسن العلاج، ولا يطول روحه على العليل، كثير النزاقة، عديم التلطف، كارهًا لأطباء زمانه، لا يذكر أحدًا منهم، ولا يُذكر له إلا ذمه وأطلق لسانه في معايبه، وكان يقول: هؤلاء اليهود قد ارتفع رأسهم، وامتلأوا فوق وسعهم على جهلهم، وقلة حاصلهم يعني السديد الدمياطي، وفرج الله بن صغير، ولا يزال يتوقد غيظًا منهما وحسدًا لهما لرغبة السلطان والأمراء والكبراء فيهما أكثر منه، وما كان يحصل لهما من الخلع والإطلاقات، ويصل إليهما من دور السلطان والأمراء لإفراط ميل النساء إلى طبهما وملاطفتهما، ثم كان إذا ذمهما يقول لمن يثق به وهذا إبراهيم بن المغربي هو مادة عز هؤلاء اليهود، وكنز غناهم و به طاروا وحلقوا، وهذه ألفاظه بعينها. وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلةً واحدةً مؤقتة من الظهر إلى الظهر، وكان يحب لبن الضأن، ويكثر أكله صحبناه مرة في بلاد الصعيد، وكان هو قد تقدم مع طقز دمر إلى توتج الجارية في إقطاعه، وأخبرني أنه لم يأتدم في تلك السفرة على طول أيامها بشيء غير اللبن إلا مرات يسيرة. وقال: هو غذاء صالح للجسم به ألف من أول زمان الرضاع، وكان ينشفه

<<  <  ج: ص:  >  >>