للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم كان الخطيب لفرط محبته في الحكمة وعلم الكلام يدعو الأصفهاني إليه، ويدع من يقرأ بحضوره عليه ليستفيد، وجرى بينه وبين ابن جملة مرةً نزاع في حديث، وكان النقل مع الشيخ فيه، فوبخ ابن جملة على تجرئه على مثله، وغاية مثله أن يكون كأحد تلاميذه وطلبته الآخذين عنه، وأقام الشيخ سنين بدمشق كأنما هو مرفوع على الرؤوس الإفراط التعظيم والإجلال، ثم لما طلب الخطيب إلى مصر وولي القضاء بها كان لا يزال يتشوق ويتشوف إلى مقدمه عليه، ومقامه بمصر، فلما طلبني السلطان شركته في ذلك وزدت عليه، واتصل خبره بالسلطان وطلبه، وأقبل عليه وأكرم، وأدنى منه مجلسه وبسطه وآنسه وأمره بالمقام بحضرته، فأقام وأجرى عليه مرتبًا، وأبقى عليه معلوم التصدير بدمشق مع الإقامة بمصر للأشغال بها، ثم كنت يومًا أنا وقاضي القضاة الخطيب القزويني عند السلطان بالدركاه داخل باب مسجد رديني بالأدر السلطانية في عقد عُقد لبعض الحرم، فأجرى ذكر الشيخ الأصفهاني وكانت المدرسة المعزية بمصر المعروفة بمنازل العز قد شغرت فولاها له، ثم بنى الأمير قوصون له الخانقاه التي بالقرافة، وكان ينزل في كل وقت إليه ويقعد قدامه وبين يديه، ويقضي كل حوائجه، ويبعث بالجمل ليعمل بها أوقات، ويحضرها بنفسه، ويكون فيها مثل أحد تلاميذ الشيخ. وعظمت منزلة الشيخ عند السلطان، وكبرت مكانته في صدره حتى أمر قوصون أن يقول له: السلطان يقول لك: أنت عندنا كبير، ومكانتك تعرفها، ونريد أننا لا نرد عليك قط في شيء تطلبه منا، ونحن نوصيك بأنك لا تتحدث في اثنين، ثم مهما أردت قل يسمع منك، وهما عبد الله بن القاضي جلال الدين، وأوحد ابن أخي الشيخ مجد الدين الأقسرائي شيخ خانقاتنا بسرياقوس؛ فإن هذين الاثنين قد ثبت عندنا نحسهما، وما يمكن أن نقبل فيهما شفاعة.

قلت: فكان الشيخ لهذا لا يرى التثقيل عند السلطان في شيء؛ لئلا يطلب ما يستثقل به ويقضيه رعاية له، ثم إن السلطان أبا سعيد بهادر خان بعث كتابًا إلى السلطان يطلب فيه إنفاذ الشيخ إليه لاشتياق الوزير أمير محمد وأهل البلاد إليه، وأكد في طلبه، وجاء قرينه كتاب من الوزير يقول فيه: إنه من أولاد الشيخ وتلاميذه، وكم يصبر الولد عن والده، والتلميذ عن شيخه، وسأل الصدقات السلطانية في تجهيزه، فقال لي السلطان: نحن والله ما نسمح بالشيخ، ولكن قولوا له قد بعث أبو سعيد يطلبك هو والوزير، وأهل تلك البلاد، وقد حَيَّوا السلطان بسببك، والسلطان قد جعل الأمر إليك، فقال الشيخ: لا والله ما أفارق ظل السلطان، ولا استبدل بهذه البلاد، فأنا ما فارقت تلك البلاد بنية من يعود إليها فأعجب السلطان هذا منه كل الإعجاب، ووقع منه

<<  <  ج: ص:  >  >>