قلت: ولما ولي كراي المنصوري كفالة الشام أتاها وقد هبت به ريح العدو والمتنسم، والثغور قد استطار برعب من جاورها قلب بارقها المتبسم، طلب خيل الحجر التي جرت العادة بطلبها معونةً من البلاد إذا قدم العدو وعدم الهدو، ولم يكن الاضطرار قد بلغ إلى حد تطلب فيه المعونة، وتحمل به البلاد المؤونة، وشرع النجم ابن هلال في توزيع ذلك الطلب، وتفريغ ذلك الظلم الذي باء منه بسوء المنقلب، فطلب من جهات الملك والوقف ما كان يكون لها ثمنًا، واتخذها له مأكلة حتى كاد يتفقأ سمنًا، وكان أخا بطنة يأكل حتى يكاد يتبعج، وجرأة لا يبالي من أي باب منه على النار يتولج، فاجتمع أهل البلد إلى جلال الدين؛ لأنه إمامهم المتبع، ورأس المصلين في الجماعة وهم له تبع، فقام هو والعلامة مجد الدين أبو بكر التونسي في درء هذه المظلمة، وإخفاء نجم بن هلال الطالع في هذه الليلة المظلمة، فجمعا أهل الجامع الأموي ومن انضم تحت أعلام الخطابة، وأسرع إلى هذه الدعوة المجابة، وخرجوا بالمصحف العثماني والأثر النبوي، وكراي راكب في موكبه قد شمخ العجب بهامته، فحين رآهم سأل عنهم، فلما أخبر الخبر جن جنونه، وظن ظنونه، فأمر الحاجب أن يأتيهم فيأمرهم بالرجوع بالمصحف والأثر، ويتقشع سواد ذلك الجمع الذي حضر، ثم يأتيه منهم من يعي عنه الخطاب، ويسمع منه الجواب، فأتاه الخطيب والتونسي وقدما له الإنذار، وأغلظا ولا سيما التونسي في الإنكار، فأوما إلى الخطيب ليضربه بيده، وأمر بالتونسي فرمي وكشف عن جسده ثم ضربه ضربًا جاز أدنى الحد في عدده، فخرجا والناس تتحرق ولا ماء يطفي النار، وتتأكل لهم، ولا يجد من أنصار، وكان من العجب المقدر وغرائب الاتفاق التي تذكر أن السلطان كان قد أمر بإمساك كراي، وخرج المجهز لإمساكه، ثم بقي في وثاق المحبس إلى حين هلاكه ويقال: إن التونسي كتب في ذلك اليوم له من الحروف ما كان من أسباب ما حل به من الصروف.
أتي كراي بخلعة السلطان، فركب بها وجلس في الإيوان، فأحضر محضر ذلك التشريف معه كتابًا قرى وهو في تلك الحال، وقد ظن أن الدهر عن طباعه قد استحال فإذا فيه المرسوم إلى الأمراء بإمساكه، فأمسك وقيد، والخلعة عليه ما حلت إزارها، ولا أرته عينه إلا ما كأنه غرارها، ولا أجدته إلا وفي نفعها ضرارها.
وكان الخطيب قد كتب إلى السلطان كتابًا مضمونه:
الحمد لله رافع السموات وبانيها، وساطح الأرض وداحيها، ومثبتها بالجبال وراسيها، ومزيح الملوك عن أسرتها وكراسيها. أرسل محمدًا ﷺ إلى الخلائق جميعًا دانيها وقاصيها، وبعد ذلك لما تقدم المرسوم الشريف العالي المولوي السلطاني