تمهل به يا حامل النعشِ إِنَّهُ … يُقطِّعُ أَصلابَ الرجالِ شُطُوتُهُ
وهل يعلم الآتي إلى لَحْدِهِ بِهِ … بأنَّ الهلال المستنير دفينه
لقدْ عُطِّلَ الدَّستُ الرحيب أمامَهُ … وفارقَهُ مأمونُه وأَمينه
ووالله إنَّ الموتَ أكرم نازل … بِحُرِّ ولا يقضي عليه غبونه
فهل ساكن في الدهر ليسَ يَسُوؤُهُ … ومُستأمِنٌ للدهر ليس يخُونُهُ
وذو غَرَر بالموت ألا تغرُّه … أمانيه في الدنيا نَعَمْ وظَنُونُهُ
لتبكِ المعالي بالدماء سواكبًا … أباها ويبكي للبكاءِ حَزينه
فيا أيها الناعي رويدَكَ إِنَّهُ … يَوَدُّ بمَنْ ينُعَى لنا لو تكونُهُ
غلطت أهل قاضي القضاةِ قَضَى ردّى … أم الشامُ بالزلزال هُدَّتْ حُصونُهُ
ترفق ولا تبغي العُلا بوفاتِهِ … فذكراك ميعاد البكا وضَمِينُهُ
لعل حزينًا يملك الصبر قلبُهُ … يَجودُ بصبر فاضل أستدينه
فيا سائق الأظعان قد أَمَّ جِلْقًا … وفي التربةِ الفيحاء يلقى قرينه
تعمَّد بنا تلك القبور فإننا … نَروُدُ بها روضًا جنيًا جنينه
وقف بي على ذاك الضريح مُسلّمًا … فإنَّ فُؤادي في التراب رهينه
إليك وإلا لا يئن صبابةً … كثيبٌ ولا تبدو عليهِ شُؤونُهُ
تولى ابن إدريس ووَلَّيتَ ذاهبًا … فما عاد للتدريس حرزٌ يَصونُهُ
تضعضعت الدنيا فلم يبقَ مذهبٌ … لَعَمْري لقدْ هَنَّ الجبالَ سُكُونُهُ
فمَنْ بَعْدَهُ هَلْ في الطريقين سالِك … وهل لاحَ في الوجهين بِشْرٌ يَزينُهُ
فكل طريق منهُ قَدْ سُدَّ مَذْهَب … وفي كل وجه بان عيب يشينه
ولولا كرام من بنيهِ أَعزَّةٌ … لأوحش منه سيفه ووضِينُهُ
ومَنْ مِثل بدر الدين بل ليسَ مِثْلُهُ … فما غاضَ بحر العلم وهوَ مَعِينُهُ
فما مثلُ مَنْ قد ماتَ في الناس سيد … ولا مثل هذا الحي يحمي عرينه
ويعز عليه أن يكتب إلى مولانا معزيًا، أو يسليه عمن لم يجد هو ولا جميع أهل الدنيا عنه مسليًا، وإنما هي عادة الأيام، وسنة الدين والإسلام، فالله يعظم أجر مولانا، ويرحم ميته، ويحسن عزاء الإسلام فيمن شيد بجهاده بناءه وثبته، فلقد كان والله من حماة الدين بسيفه وقلمه، وكماة الكلام في المدارس والمنابر بعمله وعلمه، فرحم الله تلك المزايا الكرام، وفتح لها أبواب الجنة، وأدخلها إليها بسلام، والعزاء مشترك، ومن نظر بعين الحقيقة علم أن الدهر أخذ أقل مما ترك.
وتوفي في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين عن أربع وسبعين سنة.