لولده: تروح إلى هذا الفقير، وتقول له: والدي يسلم عليك ويقول لك أنت رجل فقير، وتحضر مجالس الفقهاء في الدرس، وقد أرسل إليك شيئًا تلبسه إذا حضرت. فلما وصل ولده إلى الشيخ شهاب الدين، وقال له ما أوصاه به، سكت ساعة وقال له: يا ولدي حُطَّ هذا القماش، وتفضل واقض لي حاجة. وأخرج له فص بلخش في قدر بيضة الدجاجة رمّاني اللون، ما ملك أحد في قدره ولونه، وقال: تروح إلى السوق، وتنادي على هذا الفص، ومهما جاب لا تطلق بيعه حتى تعرفني. فلما وصل إلى السوق قعد عند العريف، نادى على الفص، فانتهى ثمنه إلى خمسة وعشرين ألف درهم. فأخذه العريف وطلع إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وهو يومئذ صاحب حلب وقال: هذا الفص قد جاب هذا الثمن، فأعجب الملك الظاهر قدره ولونه وحسنه فبلغ به إلى ثلاثين ألف درهم. فقال العريف: حتى أنزل إلى ولد افتخار الدين وأقول له. وأخذ الفص ونزل إلى السوق وأعطاه له، وقال له: تروح تشاور والدك على هذا الثمن. واعتقد العريف أن الفص من عند افتخار الدين، فلما جاء إلى شهاب الدين السهروردي وعرفه بالذي جاب الفص صعب عليه، وأخذ الفص وجعله على حجر وضربه بحجرٍ آخر حتى فتته وقال لولد افتخار الدين: خذ يا ولدي هذه الأثواب وارجع إلى والدك، وقبل يده عني وقل له لو أردنا الملبوس ما غلبنا عنه، فمضى إلى والده، وعرفه صورة ما جرى، فبقي حائرًا في قضيته. وأما الملك الظاهر، فإنه طلب العريف، وقال له: أريد الفص. فقال له: يا مولانا أخذه صاحبه ابن الشريف افتخار الدين مدرس الحلاوية فركب السلطان ونزل إلى المدرسة فقعد في الإيوان، وطلب افتخار الدين إليه وقال له: أريد الفص فعرفه أنه لشخص فقير نازل عنده. قال: فأفكر السلطان وقال: يا افتخار الدين، إن صدق حدسي فهذا شهاب الدين السروردي. ثم قام السلطان واجتمع بشهاب الدين وأخذه معه إلى القلعة، وصار له شأن عظيم. وبحث مع الفقهاء في سائر المذاهب وعجزهم، واستطال على أهل حلب، وصار يكلمهم كلام من هو أعلى منهم قدرًا، فتعصبوا عليه وأفتوا في دمه حتى قتل. وقيل: إن الملك الظاهر أرسل إليه من خنقه، قال: ثم إن الملك الظاهر بعد مدة نقم على الذين أفتوا في دمه، وقبض على جماعة منهم واعتقلهم، وأهانهم وأخذ منهم أموالًا عظيمة.
قال العدل بهاء الدين الديلمي: كنت أصحب الشيخ شهاب الدين السهروردي الحكيم بحلب، فلما اعتقل بقلعة حلب كنا نتردد إليه، وكان تحت القلعة شخص جزار، وكان كلما رآنا مترددين إلى الشيخ يسبه ويسبنا، فلما أكثر حكينا أمره للشيخ، فقال: احتالوا على أن تأخذوا طوله، وتأتوني به، فاحتالوا لذلك وأحضروه إليه، فأمرهم أن يقطعوا عصا على مقدار طوله فلما أحضروها حَزَّ فيها حزًا مثل الرأس، وأمر بعض تلامذته أن يأخذ معه سكينًا وإذا قال له: اضرب يضرب بها، فقعد الشيخ وجعل