للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أقول: ويحكى عن شهاب الدين السهروردي أنه كان يعرف علم السيمياء، وله فيه نوادر شوهدت عنه من هذا الفن. من ذلك حدثني الحكيم إبراهيمبن أبي الفضل بن صدقة أنه اجتمع به وشاهد عنه ظاهر باب الفرج، وهم يتمشون إلى ناحية الميدان الكبير، ومعه جماعة من التلاميذ، وغيرهم، وجرى ذكر هذا الفن وبدائعه وما يعرف الشيخ منه وهو يسمع. فمشى قليلًا، وقال: ما أحسن دمشق وهذه المواضع. قال: فنظرنا وإذا من جهة الشرق جواسق عالية متدانية بعضها من بعض مُبيَّضة، وهي من أحسن ما يكون بناءً مزخرفًا، ولها طاقات كبار وفيها نساء أحسن ما يكون منهن، وأصوات المغاني والملاهي ورأينا أشجارًا ملتفة بعضها على بعض، وأنهارًا جارية كبارًا، ولم نكن نعرف ذلك قبل ذلك، فعجبنا من ذلك وانذهل الجماعة مما رأوا. قال: فبقي ذلك ساعة ثم غاب عنا، وعدنا إلى رؤية ما كنا نعرفه من طول الزمان. قال: إلا أنني في رؤية تلك الحالة العجيبة أحس في نفسي كأنني في سنة خفية لم يكن إدراكي كالحالة التي أتحققها مني.

وحدثني بعض الفقهاء العجم قال: كنا مع الشيخ شهاب الدين عند القابون، ونحن مسافرون عن دمشق، فوجدنا قطيع غنم مع تركمان، فقلنا للشيخ: يا مولانا نريد من هذا الغنم رأسًا نأكله، فقال: معي عشرة دراهم خذوها واشتروا بها رأس غنم لكم. فأخذناها فاشترينا رأسًا من التركماني ومشينا فلحقنا رفيق التركماني وقال: ردوا الرأس وخذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم يسوى هذا الرأس الذي معكم أكثر من الذي قبض منكم. فتقاولنا نحن وإياه، ولما عرف الشيخ ذلك، قال لنا: خذوا الرأس واحشوا وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدمنا وبقي الشيخ يتحدث معه ويمنيه، فلما أبعدنا قليلًا تركه وتبعنا وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، وهو لا يلتفت إليه، ولما لم يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى وقال: أين تروح وتخليني؟ وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه، وبقيت في يد التركماني ودمه يجري من يده، فبهت التركماني، وتحير في أمره، ورمى اليد وخاف. فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى ولحقنا. وبقي التركماني راجعًا وهو يلتفت إلينا حتى غاب. ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديله لا غير.

وحدثني صفي الدين خليل بن أبي الفضل الكاتب قال: حدثنا الشيخ ضياء الدين بن صقر أن في سنة تسع وتسعين وخمسمائة قدم إلى حلب شهاب الدين السهروردي، ونزل في مدرسة الحلاوية، وكان مدرسها يومئذ الشريف رئيس الحنفية افتخار الدين . فلما حضر شهاب الدين وبحث مع الفقهاء، كان لابس دلق، وهو مجرد بابريق وعكاز خشب، وما كان أحد يعرفه. فلما بحث تميز بين الفقهاء، وعلم افتخار الدين أنه فاضل فأخرج له منديلًا فيه ثوب عتابي وغلاله ولباس وبقيار، وقال

<<  <  ج: ص:  >  >>