للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

للمريق، فأرى ما لا يُرى وصَوَّر ما لم يوجد، وأتى بما ادعاه بعض ذوي العقول الأفنة من المتصوفة من طي الزمان المكان، وجاء بما لم يكن في إمكان، فخيَّل ما لم يكن، وهون ما لم يهن، وأضل جبلًا كثيرًا، واستزل جبلًا كبيرًا، ولو طال لبثه أو خلى ماؤه الآجن حتى يطول مكثه لأكثر وأكبر البلية وساد، لكن الله سلّم وذبحه، وكان لو كلم جمادًا تكلم.

قال ابن أبي أصيبعة (١): كان أوحد في العلوم الحكمية، جامعًا للفنون الفلسفية، بارعًا في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء، جيد الفطرة، فصيح العبارة. لم يناظر أحدًا إلا به، ولم يباحث محصلًا إلا أربى عليه. وكان علمه أكثر من عقله.

حدثني الشيخ سديد الدين بن عمر قال: كان شهاب الدين السهروردي قد أتى إلى شيخنا فخر الدين المارديني وكان يقول لنا: ما أذكى هذا الشاب وأفصحه، ولم أجد أحدًا مثله في زماني، إلا أني أخشى عليه لكثرة تهوره واستهتاره، وقلة تحفظه أن يكون ذلك سببًا لتلافه. قال: فلما فارقت شهاب الدين السهروردي من الشرق، وتوجه إلى الشام وأتى إلى حلب وناظر بها الفقهاء، ولم يجاره أحد، فكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره السلطان الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستحضر الأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين ليسمع ما يجري بينهم وبينه من المباحث والكلام. فتكلم معهم بكلام كثير بان له فضل عظيم، وعلم باهر، وحسن موقعه عند الملك الظاهر وقربه، وصار مكينًا عنده مختصًا به، فازداد تشنيع أولئك عليه وعملوا محاضر بكفره وأرسلوها إلى دمشق إلى الملك الناصر صلاح الدين. وقالوا: إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر، وكذلك إن أطلق فهو يفسد كل ناحية كان فيها من البلاد. وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك، فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابًا في حقه بخط القاضي الفاضل وهو يقول فيه: إنَّ الشهاب السهروردي لابد من قتله، ولا سبيل أن يطلق، ولا يبقى بوجه من الوجوه. ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك، وأيقن أنه يقتل وليس له جهة إلى الإفراج عنه، اختار أن يقرر في مكان مفرد ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى الله تعالى، ففعل به ذلك. وكان في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب، وكان عمره نحو ست وثلاثين.

قال الشيخ سديد الدين محمود بن عمر: لما بلغ شيخنا فخر الدين المارديني قتله قال لنا: أليس كنت قلت لكم عنه هذا من قبل، وكنت أخشى عليه منه.


= ٢٤٦، وشذرات الذهب ٥/ ١٥٣ - ١٥٤، وروضات الجنات ٥٠٥، وكشف الظنون ١٢٦، وإيضاح المكنون ١/ ٦٣، ١١٨، وهدية العارفين ١/ ٧٨٥، وديوان الإسلام ٣/ ٤٣٤ - ٤٣٥ رقم ١٦٤١، وتاريخ الأدب العربي ١/ ٤٤٠، ومعجم المؤلفين (٧/ ١٣١٣، والأعلام ٥/ ٦٢، وتاريخ الإسلام السنوات ٦٣١ - ٦٤٠ هـ) ص ١١٢ رقم ١١٢.
(١) عيون الأنباء ٦٤١.

<<  <  ج: ص:  >  >>