للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التلامذة الكبار، فإن جرى بحث مشكل أو معنى غريب شاركهم الشيخ فيما هم فيه، ويتكلم في ذلك المعنى بما يفوق الوصف.

وحدثني شمس الدين محمد الوتار الموصلي، قال: كنت في بلد هراة في سنة ست وستمائة، وقد كان قصدها فخر الدين بن الخطيب من بلد باميان، وهو في أبهة عظيمة، وحشم كبير، فلما ورد إليها تلقاه السلطان بها وهو حسين بن جرمين وأكرمه إكرامًا كثيرًا، ونصب له بعد ذلك منبرًا وسجادة في صدر الإيوان ليجلس في ذلك الموضع ويكون له يوم مشهود يراه فيه سائر الناس ويسمعون كلامه. وكنت ذلك اليوم حاضرًا مع جماعة من الناس وإلى جانبي شرف الدين ابن عُنين الشاعر ، وذلك المجلس حفل جدًا بكثرة الناس، والشيخ فخر الدين في صدر الإيوان، وعن جانبه يمنة ويسرة صفان من مماليكه الترك متكئين على السيوف، وجاء إليه السلطان حسين بن جرمين صاحب هراة فسلم، وأمره الشيخ بالجلوس إلى جانبه أو قريبًا منه، وجاء إليه أيضًا السلطان محمود ابن أخت شهاب الدين الغوري صاحب كيروزكوه فسلم، وأشار إليه الشيخ بالجلوس في موضع آخر قريبًا منه من الناحية الأخرى، وتكلم الشيخ في النفس بكلام عظيم وفصاحة بليغة. قال: وبينما نحن عنده في ذلك الوقت وإذا بحمامة تدور في الجامع وخلفها صقر يكاد أن يقتنصها، وهي تطير في جوانب الجامع إلى أن عييت، فدخلت الإيوان الذي فيه الشيخ، ومرت طائرة بين الصفين إلى أن رمت نفسها عنده. فذكر لي شرف الدين بن عنين أنه عمل شعرًا على البديهة، ثم نهض لوقته واستأذنه في أن يورد ما قاله في المعنى، فأمره الشيخ، فقال (١): [من الكامل]

جَاءَتْ سُلَيْمَانَ الزَّمانِ حَمَامَةٌ … والمَوتُ يَلمَعُ مِنْ جَنَاحَي خَاطِفِ

مِنْ نَبَّأَ الوَرْقَاءَ أَنَّ مَحَلَّكُمْ حَرَمٌ … وأَنَّكَ مَلجًَا للخَائِفِ

فطرب لها الشيخ فخر الدين وأدناه وأجلسه قريبًا منه، وبعث إليه، بعد ما قام من مجلسه، خلعة كاملة ودنانير كثيرة، وبقي دائمًا يحسن إليه.

قال لي شمس الدين الوتار: لم ينشد قدامي لابن خطيب الري سوى هذين البيتين، وإنما بعد ذلك زاد فيها أبياتًا أخر. هذا قوله. وقد وجدت هذه الأبيات المزادة في ديوانه على هذا المثال (٢). [من الكامل]

يا ابن الكرام المطعمينَ إِذا شَتَوا … في كلِّ مخمصة وثلج حاسف


(١) ديوان ابن عنين ٩٥.
(٢) ديوان ابن عنين ٥٣ - ٥٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>