وحدثني شيخنا قاضي القضاة جلال الدين القزويني، وقد جرى ذكره، قال: كانت الملوك تتقي حد لسانه حتى احتاج صاحب الألموت إلى إعمال الحيلة في مداراته، وتَسَبَّبَ لمال قبله منه، وأخافه لاستصلاح خاطره؛ لأنه كان لا يزال يبحث في فساد عقيدته، وتزييف أقواله فينفر الناس عن دعاته، ويرد بالحرمان مساعي سعاته. وإذا كان هذا فعله بصاحب الألموت، وهو الذي كان من عاداه يموت، فكيف كان من يتهيب الآجال، وما عنده إلا نساء في زي رجال.
ذكره ابن أبي أصيبعة، فقال (١): أفضل المتأخرين وسيد الحكماء المتقدمين، قد أشرعت سيادته، واشتهرت في الآفاق مصنفاته وتلامذته، وكان إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاثمائة تلميذ من الفقهاء وغيرهم، وكان خوارزم شاه يأتي إليه. وكان ابن الخطيب شديد الحرص على تحصيل العلوم الشرعية والحكمية، جيد الفطرة، حاد الذهن، حسن العبارة، كثير البراعة، قوي النظر في منازع الطب، ومباحثه، عارفًا بالأدب وشعوبه، وله شعر بالعربي والفارسي، وكان عبل البدن، ربع القامة كبير اللحية، وكان في صوته فخامة، وكان يخطب في بلدة الري، وغيرها من البلاد، ويتكلم على المنبر بأنواع من الحكمة، وكان الناس يقصدونه من البلاد، ويهاجرون إليه من كل ناحية على اختلاف مطالبهم في العلوم وتفننهم فيما يشتغلون به، فكان كل منهم يجد عنده النهاية القصوى فيما يرومه، وكان الإمام فخر الدين قد قرأ الحكمة على مجد الدين الجيلي بمراغة، وكان مجد الدين هذا من الأفاضل العظماء في زمانه، وله تصانيف جليلة.
وحكى لنا القاضي شمس الدين الحبوني عن الشيخ فخر الدين ابن الخطيب أنه قال: والله إني لأتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل، فإن الوقت والزمان عزيز.
وحدثني محيي الدين قاضي مرند قال: لما كان الشيخ فخر الدين بمرند أقام بالمدرسة التي كان أبي مدرسها، وكان يشتغل عنده بالفقه، ثم اشتغل بعد ذلك لنفسه بالعلوم الحكمية، وتميز حتى لم يكن أحد يضاهيه، واجتمعت به أيضًا بهمذان واشتغلت عليه، قال: وكان لمجلسه، جلالة عظيمة، وكان يتعاظم حتى على الملوك، وكان إذا جلس للتدريس يكون قريبًا منه جماعة من تلاميذه الكبار مثل زين الدين الكتبي، والمصري والقطب، وشهاب الدين النيسابوري، ثم يليهم بقية التلامذة، وسائر الخلق على قدر مراتبهم، فكان من يتكلم في شيء من العلوم يباحثونه أولئك