وهي التي قَطَعَ الزمانُ طَريقَها … حتى لقدْ غَرَبَتْ بغيرِ المَطلَعِ
فكأنها بَرْقٌ تأَلَّقَ للحِمَى … ثُمَّ انطوى فكأنهُ لمْ يَلْمَعِ
وقال في الشيب والحكمة والزهد (١): [من الوافر]
أما أصبحت عن ليل التصابي … وقد أصبحتَ عَنْ ليل الشباب
تنفس في عذارِكَ صَبحُ شَيبٍ … وعَسْعَسَ ليله فكم التصابي
شهابك كان شيطانًا مَرِيدًا … فَرَجَمَ في مَشيبك بالشهاب
وأسربَ مَنْ يزاة الدهرُ أَحوَى … على فَوْدي فألمًا بالغراب
عَفَا رَسْمَ الشباب ورسم دارٍ … لهمْ عَهْدي به مَغْنَى رَبابِ
فذاكَ ابيض مِنْ قَطَراتِ دمعي … وذاك اخضر من قطر السحاب
هذا ينعى إليك النفس نَعيًا … وذالكم نشور للروابي
كذا دُنياكَ تَرْأَبُ لا نصداع … مُغالطة وتبني للخراب
ويعلق مُشمئز النفس عنها … بأشراكِ تَعوقُ عَنِ اضطراب
فلولاها لعجلت انسلاخي … عَنِ الدنيا وإن كانت إهابي
عَرَفْتُ عُقُوقَها فَسلَوتُ عنها … فلما عفتها أغريتها بي
بُليتُ بعالم يعلو أذاه … سوى صبري ويسفُلُ عَنْ عِتابي
وسُبل للصَّوابِ خِلاط قومٍ … وكم كانَ الصَّوابُ سِوى الصواب
فَغَالَطهم ونفسي في مكانٍ … مِنَ العَلياء عنهم في حجاب
ولستُ بمن يخلطه خلاط … متي اعتبرت أبانَ عَنْ تُرابِ
إذا ما لَجَّتِ الأبصار نالت … خيالًا واشمأَزَّتْ عَنْ لبَابِ
وقال أيضًا (٢): [من الكامل]
خير النفوس العارفاتِ ذَواتها … وحقيقُ كِيميات ماهياتها
وبم الذي حَلَّتْ ومِمَّ تكوَّنتْ … أَعضاءُ بِنيتها على هيئاتها
نفس النبات ونفسُ حِسٌ رُكّبا … هَلًا كذاكَ سِماتُهُ كِسماتِها
يا للرجالِ لِعِظمِ رُزْءٍ لم تزل … منه النفوس تَخُبُّ في ظلماتها
وقال أيضًا (٣): [من الخفيف]
هَذَّبِ النفس بالعُلومِ لِتَرقَى … وَذَرِ الكُلَّ فهي للكُلِّ بَيْتُ
(١) كاملة في ديوانه ص ١٣ - ١٤.
(٢) ديوانه ص ١١.
(٣) ديوانه ص ٢٠.