للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والرياسة. وكذلك يهجر الكذب قولًا وفعلًا حتى تحدث للنفس هيأة صدوقة، فتصدق الأحلام والرؤيا. وأما اللذات فيستعملها على إصلاح الطبيعة وإبقاء الشخص والنوع، والسياسة. أما المشروب فإن يهجر شربه تلهيًا بل تشفيًا وتداويًا؛ ويعاشر كل فرقة بعادته ورسمه؛ ويسمح بالمقدور والتقدير من المال؛ ويركب لمساعدة الناس كثيرًا مما هو خلاف طبعه. ثم لا يقصر في الاوضاع الشرعية، ويعظم السنن الالهية والمواظبات على التعبدات البدنية. ويكون دوام عمره إذا خلا وخلص من المعاشرين تطريه الرتبة في النفس والفكرة في الملك الأول وملكه، وكبس النفس عن عثار الناس من حيث لا يقف عليه الناس عاهد الله أنه يسير بهذه السيرة، ويدين بهذين الديانة، والله ولي الذين آمنوا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ومن شعر الشيخ الرئيس قاله في النفس وهي من أحسن قصائده وأشرفها (١): [من الكامل]

هَبَطَتْ إليكَ مِنَ المَحلِّ الأرفعِ … وَرْقاءُ ذات تعزز وتمنع

محجوبةٌ عَنْ كلِّ مُقلة عارفٍ … وهي التي سَفَرَتْ ولَمْ تَتَبرقع

وصلت على كره إليكَ ورُبما … كَرهَتْ فِراقَكَ وهي ذاتُ تفجُعِ

أبقت وما أيست فلما واصلتْ … أَلِفَتْ مُجاورة الخراب البلقع

وأظنها نسيت عُهودًا بالحِمَى … ومنازلًا بفراقها لمْ تَقْنَعَ

حتى إذا اتصلت بهاءِ هُبُوطِها … في مِيم مركزها بذاتِ الأَجْرَعَ

عَلِقَتْ بها ثَاء الثقيل فأصبحت … بين المعالم والطلولِ الخُضَعَ

وتظلُّ ساجعة على الدِّمَنِ التي … دَرَسَتْ بِتَكَرارِ الرِّياحِ الأَربع

حتى إذا قرب المسير مِنَ الحِمَى … ودَنا الرَّواحُ إلى الفضاء الأوسع

سَجَعَتْ وقَدْ كُشف الغطاء فأبصرت … ما ليس يُدرك بالعيون الهجع

وغَدَتْ مُفارقة لكلِّ مُكلَّف … عنها حليف الترب غير مُشيع

وغَدَتْ تُغرّد فوق ذروة شاهق … والعِلمُ يرفع كلَّ مَنْ لمْ يُرفَعَ

فلأيّ شيءٍ أُهبطتْ مِنْ شاهق … سام إلى قَعْرِ الحضيض الأوضع

إن كان أرسلها الإله لحكمة … طُويَتْ عَنِ الفَطِنِ اللبيب الأورع

فهبوطها إن كان ضربة لازب … لتكون سامعةً لِما لم تسمع

وتعود عالمة بكُلِّ خَفيةٍ … في العالمينَ فَخَرْقُها لمْ يُرقَع


(١) كاملة في ديوانه ص ١٩ - ٢٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>