للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الملك. فلما استقر له نظر في خزائن الكتب وصنعتها، فوجد فيها نسخًا من كتب أرسطوطاليس قد نسخت في أيامه وأيام ثاوفرسطس، ووجد المعلمين والفلاسفة قد عملوا كتبًا في المعاني التي عمل فيها أرسطو فأمر أن تنسخ تلك الكتب التي كانت نسخت في أيام أرسطو وتلاميذه، وأن يكون التعليم منها، وأن ينصرف عن الباقي.

وحكم أندرونيقوس في تدبير ذلك، وأمره أن ينسخ نسخًا يحملها معه إلى رومية. فصار التعليم في موضعين وجرى الأمر على ذلك إلى أن جاءت النصرانية فبطل التعليم من رومية، وبقي بالإسكندرية إلى أن نظر ملك النصرانية في ذلك، واجتمعت الأساقفة وتشاوروا فيما يترك من هذا العلم وما يبطل. فرأوا أن يعلم من كتب المنطق إلى آخر الأشكال الوجودية، ولا يعلم ما بعده؛ لأنهم رأوا أن في ذلك ضررًا على النصرانية، وأن فيما أطلقوا تعليمه لا يستعان به على نصرة دينهم، فبقي الظاهر من التعليم هذا المقدار، وما ينظر فيه من الباقي مستورًا إلى أن كان الإسلام بعده بمدة طويلة فانتقل التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية، وبقي بها زمانًا طويلًا، إلى أن بقي معلم واحد، فتعلم منه رجلان، وخرجا ومعهما الكتب، وكان أحدهما من أهل حران، والآخر من أهل مرو. فأما الذي من أهل مرو، فتعلم منه رجلان أحدهما إبراهيم المروزي والآخر يوحنا بن جيلان. وتعلم من الحراني الأسقف وفوتري وساروا إلى بغداد فتشاغل أيضًا بالدين، وأخذ فوتري في التعليم، وأما يوحنا بن جيلان فإنه تشاغل أيضًا بدينه وانحدر ابراهيم المروزي إلى بغداد فأقام بها. وتعلم منه متى بن يونان وكذلك يتعلم في آخر الأشكال الوجودية.

وقال أبو نصر الفارابي عن نفسه أنه تعلم من يوحنا بن جيلان إلى آخر كتاب البرهان. وكان يسمى ما بعد الأشكال الوجودية الجزء الذي لا يقرأ إلى أن قرئ بعد ذلك، وصار الرسم بعد ذلك حيث صار الأمر إلى معلمي الإسلام أن يُقرأ من الأشكال الوجودية إلى حيث قدر الإنسان أن يقرأ. فقال أبو نصر إنه قرأ إلى آخر كتاب البرهان.

وحدثني عمي رشيد الدين أبو الحسن علي بن الخليفة: أن الفارابي توفي عند سيف الدولة بن حمدان في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان أخذ الصناعة عن يوحنا بن جيلان ببغداد، وكان في أيام المقتدر وكان في زمانه أبو البشر متى بن يونان وكان أسن من أبي نصر، وكان أبو نصر أحد ذهنًا منه وأعذب كلامًا. وتعلم أبو البشر متى من إبراهيم المروزي وتوفي أبو البشر في خلافة الراضي فيما بين سنة ثلاث وعشرين إلى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وكان يوحنا بن جيلان وإبراهيم المروزي قد تعلما جميعًا من رجل من أهل مرو.

<<  <  ج: ص:  >  >>