بالحكمة والنظر فيها، والتطلع إلى آراء المتقدمين وشرح معانيها. وكان ضعيف الحال حتى أنه كان في الليل يسهر بالمطالعة والتصنيف، ويستضيء بالقنديل الذي للحارس.
وبقي كذلك مدة. ثم إنه عظم شأنه وظهر فضله، واشتهرت تصانيفه وكثرت تلاميذه، وصار أوحد زمانه وعلامة وقته. واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي وأكرمه إكرامًا كثيرًا، وعظمت منزلته عنده، وكان له مؤثرًا.
ونقلت من خط بعض المشايخ أن أبا نصر الفارابي سافر إلى مصر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ورجع إلى دمشق، وتوفي بها في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، عند سيف الدولة علي بن حمدان وفي خلافة الراضي، وصلى عليه سيف الدولة في خمسة عشر رجلًا من خاصته. ويذكر أنه لم يتناول من سيف الدولة من جملة ما ينعم به عليه سوى أربعة دراهم فضة في اليوم يخرجها فيما يحتاجه من ضروري عيشه. ولم يكن معتنيًا بهيأة ولا مكسب. ويذكر أنه كان يغتذي بما في قلوب الحملان مع الخمر الريحاني فقط. ويذكر أنه كان في أول أمره قاضيًا، فلما شعر بالمعارف، نبذ ذلك، وأقبل بكليته على تعليمها، ولم يسكن إلى نحو من أمور الدنيا البتة. ويذكر أنه كان يخرج إلى الحراس في الليل من منزله يستضيء بمصابيحهم فيما يقرأه. وكان في علم صناعة الموسيقى وعملها قد وصل إلى غاياتها وأتقنها إتقانًا لا مزيد عليه. ويذكر أنه صنع آلة غريبة يسمع منها ألحانًا بديعة يحرك بها الانفعالات. ويذكر أن سبب قراءته للحكمة أن رجلًا أودع عنده جملة من كتب أرسطوطاليس، فاتفق أن نظر فيها، فوافقت منه قبولًا، وتحرك إلى قراءتها، ولم يزل إلى أن أتقنها فهمًا وصار فيلسوفًا بالحقيقة.
ونقلت من كلام لأبي نصر الفارابي في معنى الفلسفة قال: اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل إلى العربية، وهو على مذهب لسانهم فيلسوفيًا ومعناه إيثار الحكمة. وهو مركب من فيلا ومن سوفيا، ففيلا الإيثار وسوفيا الحكمة والفيلسوف مشتق من الفيلسفة، وهو على مذهب لسانهم فيلوسوفوس. فإن هذا التعبير هو تعبير كثير من الاشتقاقات عندهم، ومعناه المؤثر للحكمة والمؤثر للحكمة عندهم هو الذي يجعل الوكد من حياته وغرضه من عمره الحكمة.
وحكى أبو نصر الفارابي في ظهور الفلسفة ما هذا نصه قال: إن أمر الفلسفة اشتهر في أيام ملوك اليونانيين، بعد وفاة أرسطوطاليس بالإسكندرية إلى آخر أيام المرأة. وأنه لما توفي بقي التعليم بحاله فيها إلى أن ملك ثلاثة عشر ملكًا، وتوالى في مدة ملكهم من معلمي الفلسفة اثنا عشر معلمًا أحدهم المعروف بأندرونيقوس. وكان آخر هؤلاء الملوك المرأة فغلبها أوغسطس الملك من أهل رومية، وقتلها واستحوذ على