للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الوضيعة المرذولة، فقام مشمّرًا للعزائم، مُجاهرًا لا تردّه اللوائم، حتى أحيا ميت السنة، وأمات حي البدعة، وفعل ما شكر الله له، والإسلام عليه صنعه، وكأنما كان ممهدًا لبني أيوب، ومقدّمًا لمآثرهم التي أقسمت الأيام أنها بمثلها لا تؤوب.

رحل في طلب الحديث، ولقي أعيان المشايخ، وكان شافعي المذهب. ورد بغداد، واشتغل بها على الكيا الهراسي في الفقه، وعلى أبي زكريا يحيى التبريزي اللغوي في اللغة، وجاب البلاد، وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وأقام به، وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه، وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله.

وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار - وزير الظاهر صاحب مصر - سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المذكور، وفوّضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن.

وكتب الكثير وأماليه وتعاليقه كثيرة.

وكان رجلًا مقصودًا مُمَدَّحًا وقصدته الأمراء، ومدحته الشعراء، وفيه يقول عمارة (١): [من البسيط]

وَقَائِلٍ مَنَ أَجَلُّ النَّاسِ منزلةٌ … فِي أَهْلِ ذَا الجِيْلِ، قُلْتُ الحَافِظُ السَّلَفِي

وَذَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَا أَنَّهُ رَجُلٌ … مَا فِي الزَّمَانِ سِوَاهُ وَارِثُ السَّلَفِ

مَا لِلصَّفَائِحِ مِنْ سَمْعِ وَلَا نَظَرٍ … إلا إلَى نَصِّ ما يُملي مِنَ الصُّحُفِ

كَمْ ضَاقَ خَطْبٌ بِمَلْهُوفٍ فَقُمْتَ بِهِ … يَا وَاسِعَ الصَّدْرِ وَالبَاعَيْنِ وَالكَتِفِ

عَرِيضُ جَاهِكَ لَا تُطْوَى مَرَاحِلُه … إِلا بِقَذْفِ المَطَايَا في نَوَى قُذُفِ

حَسْبِي أَبَا طَاهِرٍ أَنِّي أَمنت بِمَا … عَلِمتَ مِنْيَ وُدًّا غَيْرَ مُنْحَرِفِ

شَرِيعَةٌ مِنْ وَفَاء أَنْتَ تَعْرِفُهَا … مَا كُلُّ مَعْرِفَةٍ بِاللَامِ وَالأَلِفِ

أَحْرَزْتُ وُدَّكَ لَا أَبْغِي بِهِ بَدَلًا … مَنْ أَحْرَزَ الدُّرَّ لَمْ يَسْأَلْ عَنِ الصَّدَفِ

ولا بن قلاقس (٢) فيه غرر قصائد، ودرر فرائد.


(١) عمارة اليمني، والأبيات لم ترد في ديوانه.
(٢) ابن قلاقس: نصر الله بن عبد الله بن عبد مخلوف عبد القوي اللخمي، أبو الفتوح، الأعز، المعروف بابن قلاقس الإسكندري الأزهري: شاعر نبيل من كبار الكتاب المترسلين. كان في سيرته غموض، ولد بالاسكندرية سنة ٥٣٢ هـ/ ١١٣٨ م ونشأ بها، وانتقل إلى القاهرة فكان فيها =

<<  <  ج: ص:  >  >>