[٤٩] محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن الذهبي، أبو عبد الله، شمس الدين (١)
بقية الحفاظ.
وهو شمس العصر لا غابت، ولا اعتلت أصلها ولا خابت. بقي في هذا الزمن الأخير بقاء الشمس في العصر، وتفرد تفردها بالمحاسن التي تجل عن الحصر. فضائل لا يستطيعها أهل التحصيل، وفواضل تحلّى بها ذهبي العصر بمثل ذهبية العصر من الأصيل. معدن لا غرو أن نُسب إلى ذهبية الذهب أو حُسِبَ للهبية ما لا ينكر لقريحته من اللهب. ما المزي عنده إلا ممن تمزز، وما شرب حتى اضطلع، ووقف دون العقبة الكؤود، وما طلع، فاقه بل ساوى كل سابق متقدّم إن لم يكن فاقه، وضبطه فما قيده، ثم ما حلّ وثاقه علم الحديث، وتاريخ أصبح فيهما فردًا لا يخلف، وسابقًا ونحن نسأل الله أن يتخلف، وإمامًا بقي في أثناء الدهر حتى صلوا خلفه وسلموا عليه، وعرفوا حقه فودوا أن يتأخر ويقدموا، وواحدًا لو أنَّ لأهل هذا الزمان همة من كان قبلهم، لشدُّوا إليه المطي تلطم وجوه السباسب، وتشقق جلباب الضحى والغياهب، ولا تزال تحط لديه رحال، وتشدّ رحال، وتعدّ سوى لقيه محالًا كل حال.
مولده في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وعمل مع والده صناعة الذهب ثم في سنة تسعين، أحبّ القراءات، فقرأ التجويد وقرأ للسوسي بالإدغام في سنة إحدى وتسعين، وقرأ لنافع بكماله على الشيخ محمد المزراب، ولازمه، وحصل شرح الشاطبية. وفي أيام التشريق منها شرع في القراءات السبعة جمعًا على الشيخ جمال الدين البدوي، فَرَسَمَهُ في كيفية الجمع، ومات الفاضلي وقد جمع عليه إلى أواخر القصص سنة اثنتين وتسعين في ربيع الآخر.
قال الذهبي: فتألمت لكوني لم أكمل، ففتح الله علينا بشمس الدين الدمياطي، فذهبنا إليه، وكلمناه، فوجدناه ذاكرًا للقراءات ذاكرًا جيدًا أجود من الفاضلي، فإن الفاضلي كان قد استولى عليه الفالج، وتغيّر حفظه. فقعد لنا الدمياطي في الكلاسة طرفي النهار، وكان مستحضرًا للشاطبية، فكملت عليه القراءات في مدة
(١) ترجمته في الوافي بالوفيات ٢/ ١٦٣، طبقات الشافعية للسبكي ٩/ ١٠٠، فوات الوفيات ٢/ ٣٧٠، البداية والنهاية ٩/ ٤٨١، البدر الطالع ٢/ ١١٠، تاريخ ابن الوردي ٢/ ٣٤٩.