للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الذهب من ذلك الجوهر الأسنى، فوا أسفًا لرتبته العليا، ووالهفًا كيف ضيع وقتًا من أوقاته بطلب سحت الدنيا.

مولده بظاهر حلب سنة أربع وخمسين وستمائة ونشأ بالمزة، وحفظ القرآن، وتفقه قليلًا، ثم أقبل على هذا الشأن، ورحل سنة ثلاث وثمانين، ونسخ بخطه المليح المتقن كثيرًا لنفسه ولغيره، ونظر في اللغة، ومهر فيها، وفي التصريف، وقرأ العربية.

وأما معرفة الرجال، فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها، لم تر العيون مثله، وخرج لغير واحد، وأملى مجالس، وأوضح مشكلات ومعضلات ما سبق إليها من علم الحديث ورجاله، وكان ثقة كثير العلم، غزير الفضل حسن الأخلاق، كثير السكوت، قليل الكلام جدًا، صادق اللهجة، لم تعرف له صبوة، وكان يطالع وينقل الطباق إذا حدث، وهو في ذلك لا يكاد يخفى عليه شيء مما يقرأ، بل يرد في المتن والإسناد ردًّا مفيدًا بحيث يتعجب منه فضلاء الجماعة. وكان متواضعًا حليمًا صبورًا مقتصدًا في ملبسه ومأكله كثير المشي في مصالحه. تَرَافَقَ هو وشيخ الإسلام ابن تيمية في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرّر طريقة السلف في السنة، ويعضد ذلك بمباحث نظرية، وقواعد كلامية.

وكان له عمل كثير في المعقول وما وراء ذلك - بحمد الله - إلا حسن إسلام وخشية الله. وصحب في وقت العفيف التلمساني، فلما تبين له إنحلاله وإلحاده تبرأ منه وحط.

وكان ذا مروءة وسماحة، وتقنع باليسير باذلًا لكتبه وفوائده ونفسه. كثير المحاسن؛ ولقد آذاه أبو الحسن بن العطار، وسبّه، فما تكلم فيه، ولا فيمن آذاه. وقرأ بدمشق مرة تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر الخطيب، فوثب عليه جماعة من الروم الحنفية، ودفعوه إلى قاضي القضاة حسام الدين الرازي، وهو إذ ذاك حاكم بدمشق، فلتطف الحاكم المذكور مع الفقهاء الحنفية المذكورين، ووعدهم، ومناهم، وعفا عنه، ومنعه بالحسنى منهم، وأخرجه ليلًا، فغيّب مدة حتى سكنت الثائرة، وخمدت الفتنة، وعصمه الله منهم، وكانوا قد عزموا على قتله بأيديهم.

وكانت وفاته في ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وصلّي عليه الغد بجامع دمشق، ودفن بمقبرة الصوفية.

ومنهم:

<<  <  ج: ص:  >  >>