وحسبُكَ في هذا الحديثِ بحديثِ أبي هريرةَ، ثم حديثِ ابنِ عمرَ، وحديثِ عمرانَ بنِ حُصينٍ وغيرِهم، وهو من الأحاديثِ التي لا مَطْعَنَ فيها لأحدٍ وإنما اختلَفوا في تأويلِ شيءٍ منه.
وأمَّا قولُهم: إنَّ ذا اليدين قُتلَ يومَ بدرٍ. فغيرُ صحيح، وإنما المقتولُ يومَ بدرٍ ذُو الشمالين، ولسْنا نُدافِعُهم أنَّ ذا الشمالين مقتولٌ ببدرٍ؛ لأنَّ ابنَ إسحاقَ (١) وغيرَه من أهلِ السِّيرِ ذكَرُوه فيمَنْ قُتِل يومَ بدرٍ.
وقال حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: قُتِل يومَ بدرٍ خمسةُ رجالٍ من قريشٍ من المهاجرين؛ عُبيدةُ بنُ الحارثِ، وعامرُ بنُ أبي وقّاصٍ، وذُو الشمالين، وابنُ بَيْضَاءَ، ومِهْجَعٌ مولَى عمرَ بنِ الخطابِ (٢).
قال أبو عُمر: إنما قال سعيدُ بنُ المُسيِّب: إنَّهم من قريشٍ؛ لأنَّ الحليفَ والمولَى يُعَدُّ من القوم، فمِهجَعٌ مولَى عمرَ، وذُو الشمالين حليفُ بني زُهْرَةَ؛ قال ابنُ إسحاقَ (٣): ذُو الشمالين هو عُميرُ بنُ عمرِو بنِ غُبْشَانَ بنِ سُليم بنِ مالكِ (٤) بنِ أفصىَ بنِ حارثةَ بنِ عمرِو بنِ عامرٍ، من خُزاعةَ، حليفٌ لبني زُهْرَةَ.
قال أبو عُمر: فذُو اليدَيْنِ غيرُ ذي الشِّمالين المقتولِ ببدرٍ، بدليلِ ما في حديثِ أبي هريرةَ، ومن ذكَرْنا معه؛ من حُضورِهم تلك الصلاةَ، وأنَّ المتكلمَ بذلك الكلام إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلٌ من بني سُليم، كذلك قال يحيَى بنُ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، وقد تقدَّمَ ذكرُنا لذلك.
(١) في سيرته ص ٣٠٨، وسمّاه: "عبد عمرو بن نضْلة، حليفٌ لهم، من بني غُبْشان". (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٧٨٥٤). (٣) في سيرته ص ٣٠٨، ولم يسُق تمام اسمه كما ذكرنا قريبًا، والاسم بتمامه ساقه ابن هشام في السيرة النبوية ١/ ٦٨٠. وعنده "عبد" بدل "عمير". (٤) في السيرة النبوية ١/ ٦٨٠، والروض الأنف للسُّهيلي ٥/ ٢٥٨، وعيون الأثر سيِّد الناس ١/ ٣١٩: "ملكان"، وهو الصحيح.