مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:"ليس المِسكِينُ بهذا الطَّوافِ الذي يطُوفُ على النّاسِ، فتردُّهُ اللُّقمةُ واللُّقمتانِ، والتَّمرةُ والتَّمرتانِ". قالوا: فما المِسكِينُ يا رسُولَ اللَّه؟ قال:"الذي لا يجِدُ غِنًى يُغنِيهِ، ولا يَفْطُنُ النّاسُ لهُ فيُتصدَّقَ عليه، ولا يقومُ فيسألُ النّاسَ".
هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: فما المِسكِينُ؟ ولم يقُل: فمَنِ المِسكِينُ؟ وكان وجهُ الكلام أن يقولَ: فمَن (٢) المِسكِينُ؟ لأنَّ "مَن" وُضِعت لمن يَعقِلُ.
وقد تابَعَ يحيى على قولِهِ: فما المِسكِينُ؟ جماعةٌ.
ويَحتَمِلُ وَجْهينِ، أحدُهُما: أن يكونَ أرادَ فما (٣) الحالُ التي يكونُ بها السّائلُ مِسكِينًا.
والوجهُ الآخرُ: أن تكونَ "ما" هاهُنا بمَعنَى (٤) مَن، كما قال عزَّ وجلَّ:{وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا}[الشمس: ٥] أرادَ: ومَنْ بناها.
وكما قال:{وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}[الليل: ٣] أرادَ (٥): ومن خلَقَ الذَّكرَ والأُنثى (٦).
فأمّا قولُهُ:"ليس المِسكِينُ بهذا الطَّوّافِ". فإنَّهُ أرادَ: ليس المِسكِينُ حقًّا على الكَمالِ، وهُو الذي بالَغتهُ المَسْكنةُ بهذا الطَّوّافِ؛ لأنَّ هُناكَ مِسكِينًا أشدَّ
(١) الموطأ ٢/ ٥١٠ (٢٦٧٢). (٢) في م: "فما". (٣) في م: "بها". (٤) هذه الكلمة سقطت من م. (٥) في م: "بمعنى: أراد". (٦) قوله: "أراد ومن خلق الذكر والأنثى" لم يرد في الأصل، د ٢، قفز نظر.