ودخل (١) عليه عليّ بن الجهم يوما وبيديه درّتان يقلّبهما، فأنشد قصيدة له، فرمى إليه بدرّة، فقلّبها، فقال: تستنقص بها! وهي واللّه خير من مائة ألف؟ فقال: لا، ولكنّي فكّرت في أبيات أعملها آخذ بها الأخرى؛ فقال: قل، فقال (٢): [من مخلع البسيط]
بسرّمن رأى إمام عدل … تغرف من بحره البحار
الملك فيه وفي بنيه … ما اختلف اللّيل والنّهار
يرجى ويخشى لكلّ خطب … كأنّه جنّة ونار
يداه في الجود ضرّتان … عليه كلتاهما تغار
لم تأت منه اليمين شيئا … إلاّ أتت مثلها اليسار
فرمى إليه بالدّرّة الأخرى.
قال بعضهم: سلّم على المتوكّل بالخلافة ثمانية، كلّ واحد منهم أبوه خليفة:
منصور بن المهديّ، والعبّاس بن الهادي، وأبو أحمد بن الرّشيد، وعبد اللّه بن الأمين، وموسى بن المأمون، وأحمد بن المعتصم، ومحمد بن الواثق، وابنه المنتصر.
وقال المسعودي: لا يعلم أحد متقدّم في جدّ ولا هزل إلاّ وقد حظي في دولته، ووصل إليه نصيب وافر من المال.
وكان منهمكا في اللّذّات والشّراب، وكان له أربعة آلاف سرّيّة ووطئ الجميع.
وقال علي بن الجهم: كان المتوكّل مشغوفا بقبيحة أمّ ولده المعتزّ لا يصبر عنها، فوقفت له يوما - وقد كتبت على خدّيها بالغالية جعفرا - فتأمّلها وأنشأ يقول (٣): [من الطويل]
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٨٩. (٢) ديوان علي بن الجهم، ١٣٦، وتنسب للبحتري في ديوانه ٢/ ١٠١٣. (٣) البيتان له في النجوم الزاهرة ٢/ ٣٢٥ وتاريخ الإسلام ١٨/ ١٩٨؛ وفي الأغاني ١٩/ ٣١١ لفضل الشاعرة أو لمحبوبة شاعرة المتوكل، وهما لمحبوبة في مروج الذهب ٥/ ٤٢ والإماء الشواعر ١٦١ ومختصر تاريخ دمشق ٦/ ٩٠.